الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٦٨

الإباضية في موكب التاريخ

104

الإباضية في الجزائر

يسرني

أبو عيدة الأعرج

أن أترك المجال للمؤرخ الكبير ابن الصغير المالكي ليحدثنا عن هذا العالم العظيم قال في رسالته ما يلي: وكان منهم رجل يعرف بأبي عبيدة الأعرج .. كلهم مقرون له بالفضل، معترفون له بالعلم مسلمون له في الورع، إذا اختلفوا في أمر من الفقه أو من الكلام صدروا عن رأيه .. وقد رأيت أنا هذا الرجل وجلست إليه فما رأيت في سود الرؤوس رجلا أخشع منه، وكان قليل الدخول على أبي اليقظان، ولم يكن يجمعه وإياه سوى المسجد الجامع، فحدثني أحمد بن بشير قال: ضرب أبو اليقظان سرادقه لحدث أراده، وبرز بنفسه إلى سرادقه، قال: علم الناس بخروجه فخرج إليه الفقهاء والقراء، وضربوا أبنيتهم حول سرادقه خلا أبا عبيده قال: فبينما ذات جلوس إذ أقبل أبو عبيدة راكبًا عَلَى دابة فقال الناس: "هذا أبو يوم عبيدة قد أقبل متفقدًا الأمير مسلّما عليه". قال: فأعلموا بقدومه أبا اليقظان، فَلَمَّا دخل عليه أدناه إلى نفسه، فقال: "ما جنت مسلّما ولا متفقدا، غير أن جارة لي خرج ولدها البارحة في طلب معاش له ولها، فأخذه المحروق صاحب حرسك وحبسه، فأتتني الغداة باكية شاكية تسألني أن أسألك في إطلاق ولدها"، فأمر بأن يطلق كُلّ من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة، ثُمَّ سلم وانصرف فعجب الناس من صدقه، وتركه التصنع وإظهاره على لسان ما أسر في قلبه.

الناس

ألفه

عبد

وكان أبو عبيده هذا عالما بالفقه والكلام والرقائق والنحو واللغة، وكان مع منه كتاب إصلاح الغلط الذي الأدب والمروءة، وقد أتيته يوما أسمع من ديانته حسن الله بن مسلم بن قتيبة على أبي عبيدة، فَلَمَّا افتتحت قراءته وقلت: "لعل" ناظراً في كتابنا هذا ينفر من عنوانه، ويستنفر من ترجمته، ويرباً بأبي عبيدة عن الزلة". فلم أهمزه ولم أمده فقال لي: "يرباً بأبي عبيده بهمز الألف وضمه"، وَإِنَّمَا ذكرت هذا الحرف لأدل على براعته في اللغة فَلَمَّا قرأت من الكتاب مثل ورقة أو

1) من علماء القرن الثالث ذكره الباروني في الطبقة السادسة.