الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٧١

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

يرجع إليه ويخبره، وذهب الرجل إلى السوق وطاف بين أكداس البضائع المطروحة، وقطعان الماشية المعروضة، ثُمَّ رجع إلى الشيخ فأخبره أنه لم يجد أرخص من الإبل في هذا الموسم من أواخر الشتاء، فقال له الشيخ: "عندي أربعة وعشرون دينارا وديعة لأحد الناس، خذها على سبيل القرض واذهب واشتر بها جمالا، ثم أحسن رعايتها وعلفها حتَّى إذا سمنت عد إِلَيَّ". وأخذ الرجل برأي يوسف فأخذ منه الدنانير ثُمَّ ذهب إلى السوق فاشترى بها ثلاثة جمال ذهب بها إلى بعض الأودية الخصبة، وكم يمض عليها زمن طويل حَتَّى حسن حالها وسمنت فرجع إلى أبي يوسف يُخبره .. فأمره أبو يوسف أن يأخذ اثنين منها إلى السوق ليبيعها، وهكذا رد من ثمنها مبلغ الوديعة، واشترى بالباقي منه بضاعة حملها على الثالث، ورجع إلى أهله موفوراً بعد شهور قليلة، يحمل على الجمل الثالث خيرات له ولأهله.

يقص المؤرخون هذا الحادث من تاريخ أبي يوسف متعجبين من تفكيره وسداد تصرفه وحسن تدبيره، غافلين أن هذا العالم العامل لم يأت بشيء من عنده، وَإِنَّمَا هو قبس من سيرة الرسول وطريقته في معالجة المشاكل المشابهة. عندما ترجم أبو العباس الدرجيني لأبي يوسف الطرفي ذكر القصة السابقة ثُمَّ ناقشها على ضوء الأحكام الفقهية، وهل يصح للمؤمن أن يتصرف في وديعة توضع عنده دون إذن صاحبها وقال: إن من عادة علماء السلف إذا وضعت عند أحدهم أمانة أن يستأذن صاحبها في التصرف فيها بغير عدوان إذا احتاج إليها، وإن أبا يوسف لا بُدَّ وأن يكون قد جرى على هذا السنن فاستأذن رَبِّ الوديعة في الاستفادة منها إذا لزم الأمر .. فَلَمَّا جاءه الدمري تصرف.

هذه خلاصة مناقشة أبي العباس للموضوع، ويبدو لي أن أبا يوسف كان في إمكانه أن يساعد الرجل بقرض من ماله الخاص، أو أن يجمع له من أصحاب الخير، أو يقرض له من شخص ما قرضاً؛ وَلَكنَّه فضل غير هَذه الطرق جميعها .. فضل أن يتصرف في الوديعة، وأن يحرص على ذكر الوديعة وهو يسلم المال للرجل حتى لا تحدثه نفسه بمطمع، وحتى يعلم أن إرجاعها يجب أن يكون سريعا، وذلك يحمل