الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٧٣الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
أبو باديس أخت بن باديس")
أبو باديس أبخت بن باديس بن زيدان اليكشفي مؤمن من المؤمنين الذين أكرمهم الله بصحة الدين ووسع عليهم في العلم والمال، فقد كان مؤمنا تقيا موصول القلب بالله في جميع أعماله، وكان عالما غزير العلم حريصًا على العمل بما يعلم، وكان وافر الثروة، يملك أعدادًا لا حصر لها من قطعان البقر والإبل والغنم يتولى تربيتها ورعايتها في فحوص بونة الخضراء الخصبة، وكان يشرف بنفسه عَلَى تربيتها وتنميتها، وكان يعطي منها في سبيل الخير دون حساب وإذا كان الكرماء يعطون بالآحاد فقد كان أبو باديس يدفع بالعشرات، ويهب بالقطيع، ويرسل منها إلى من يعرف فيه الاحتياج إليها ولو بعد مكانه، ولا شرط له على هذه العطايا إلا أن يكون أصحابها من المتقين لا يستعينون بماله على معصية الله. ولد أبو باديس في أواخر الدولة الرستُميَّة رُبَّمَا في السنوات الأخيرة من خلافة الإمام أبي اليقظان، ورأى فيها أمثلة للحكم النظيف للأمة الإسلامية؛ فَلَمَّا ذهبت تلك الدولة التي تسير بمنهاج الإسلام وجاءت بعدها الدولة العبيدية في اندفاعتها الأولى، لا يهمها ما تحطمه من أجل بناء سلطانها، وكان يعيش بين ما يرتكبه حكامها من عسف وظلم وجور، أن تقوم دولة أخرى تسير بسيرة الإسلام، وكان يتعهد بينه وبين نفسه أن يقدم إليها كُلّ ما بين يديه من مساعدة، ولهذا فقد حرص على أن يضاعف ثروته ليضعها في يدي الدولة التي الله أن تقوم لتقوم بأمر في الناس .. وكان يملك تلك القطعان من الأنعام رعائل الخيل، يتخيرها ويعرف أنسابها، ويشرف على ترتيبها، ويعدها للكفاح حسب الأمل الذي لَمْ ينطفئ في قلبه أبدا، وكان ينتظر ذلك اليوم الذي يتحقق فيه أمله فيدفع تلك الخيول وما وراءها من ثروة الله وفي سبيل الله. وكان يعرف أصول تلك الخيل وأجناسها ومقدار عتقها وكان يحبها ويتفقدها؛ فَلَمَّا تقدمت به السن وكف بصره وعجز عن مزاولة الفروسية بقي يحن إلى الخيل وركوبها وتلمسها .. كما لَمْ يتحطم أمله في قيام دولة عادلة يقوم بها مؤمنون مخلصون، وكان عجزه
كان
من
يرجو
1) من علماء القرن الثالث ذكر الباروني في الطبقة السادسة.
كان يتمنى