الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٧٥الإباضية في موكب التاريخ
111
الإباضية في الجزائر
فوفد عليه وقد أخذ معه هدية قيمة فيها المهران السابقان وقد أصبحا جوادين مطهمين تنحبس عندهما العين، ويبهج الخاطر .. وقدم الهدية إلى الملك المعز فسر بها وتقبلها وشكر صاحبها .. وكان سرور المعز بوفود أبي عبد الله أعظم من سروره بالهدية، فقد كان يتوقع منه ما يتوقعه كُلّ حاكم ظالم من كُلّ رجل عظيم محبوب لا يتزلف إليه ولا يتقرب، فَلَمَّا رآى هذه الخطوة من هذا الزعيم أمن جانبًا مِمَّا كان يقض مضجعة، وتولى الفتى بعد أن ودع الملك ليعود إلى بلاده وقد اقتنع أكثر من ذي قبل علة وجوب المهادنة، وعدم تعريض الناس لفتن لا يرجى منها خير للإسلام والمسلمين .. غير أن هذا الموقف البسيط الذي أرضى الملك وطمأنه لَمْ يرض الحاشية، فما خرج أبو عبد الله حتَّى سارعت الحاشية إلى النيل منه وتحريض الملك عَلَى إزالته من الطريق، وقالوا له: "إن الرجل صاحب ثروة ضخمة، وهو فارس شجاع، شهير مسموع الكلمة، محبوب من الناس يقوم في "مزاتة" مقام الزعيم، ولو دعا الإباضية إلى أي عمل لاستجابوا له جميعا، ولو حدثته نفسه بالثورة عليك لسبب لك متاعبا جمة أنت في غنى عنها، والرأي وقد وقع بين يديك أن تتخلص منه". قال المعز: "كيف يمكن أن أقتل الرجل وقد عرف القاصي والداني أنني رحبت به وقبلت هديته، وجازيته بالإحسان، إن الغدر في مثل هذا المقام يضر بنا أكثر من أي عمل يقوم به هذا الرجل"، غير مدبري المكايد لا تعيبهم الحيل، واستطاعوا أن يدبروا مكيدة اقتنع المعز بوجاهتها؛ فبعث وراء الفتى يدعوه إليه، وعندما وصله أعوان الملك يبلغونه طلب الملك له عرف أنه دعي إلى مكيدة، ولكنَّه ماذا عساه يصنع غير أن يسير في الطريق إلى نهايتها؟ ورجع حتى وقف بين يدي المعز وانتظر ما تأتي به الأقدار، فأظهر المعز الحفاوة مَرَّةً أخرى، وأبدى له التعظيم والإجلال، ثُمَّ قال له: "إنكم فتيان مزاتة موصوفون بالفروسية والبراعة في ركوب الخيل، وَيَدُلُّ عَلَى ذلك عنايتك بتربية الخيل وإعدادها، وقد خطر لي أن تعرض علينا ألوانا من الفروسية، وفي حظيرتنا أسد يُمكنك أن تلاعبهُ عَلَى أَنَّه يجب أن تعرف أن الأسد ضار قد يضرُّ بك، فخذ حذرك منه واعرف كيف تروغ منه أو تقتله وأنت محرد من السلاح". وعرف الفتى الغرض من كُلّ هذا، وأنه محكوم عليه بالإعدام، ولكن بهذه الخدعة الدنيئة، ولم يرد أن يتنازل عن اعتزازه واعتداده بنفسه، ولا أن يظهر الضعف لهؤلاء القوم الذين أحسن
أن