الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٧٦الإباضية في موكب التاريخ
112
الإباضية في الجزائر
هم
الظن، فقال له مزهوا: "لبيك". وقدم له الفرس الذي جاء به هدية للملك وأدخل إلى خان السبع مُجردًا من السلاح وأطلق عليه الأسد الضاري الذي كان المعز يستعمله بمثابة آلة الإعدام لمن يحكم عليه بذلك، وقد مرد الوحش على الولوغ في الدماء البشرية، واعتاد على افتراس الناس في ذلك الخان، وأصبح من الممتع له أن يطلق في وسط الحظيرة، ثُمَّ يلقي إليه بفريسة بشرية يمارس معها طبيعة الصيد الكامنة فيه، ثُمَّ يلتهمها بعد دقائق. وحينما رأى رجلا على فرس يقتحم عليه الحظيرة استعد أن يُمارس طبيعته الحيوانية في الصيد، وإن يكن المنظر قد تغير عليه وسبب له شيئًا قليلا من الارتباك، فقد كان يلقي إليه الرجل مجردًا، أما الآن فها قد ألقى إليه رجل عَلَى، فرس، وعلى كُل حال فلا أهمية لذلك ..
بدل الفريسة الواحدة فريستان.
وبدأت المعركة الرهيبة بين الوحش المفترس القوي، وبين الفارس الشجاع الجريء، وطالت المعركة بين الأسد المسلح بسلاح الطبيعة من مخلب وناب وبين الفارس الذي جردته اليد الماكرة حتَّى من السكين والسوط، ولكن تلك اليد لم تتمكن من تجريد الفارس من سلاح الشجاعة وحضور الذهن في أحرج المواقف، وسرعة الفر والإفلات. كان المعز أمر أن تعد له ولحاشيته منصة عالية حول الحظيرة، ففرش عليها المفارش الوثيرة، وتحول بينها وبين انطلاق الوحش إليها قضبان متينة من الحديد حَتَّى يتمكنوا من الاستمتاع بالنظر إلى الأسد الخطر، وهو يلغ في دماء الفتى المزاتي، ويلتهم عضلاته.
و كم شهد أولئك القوم وثبات الأسد الضاري على الأجسام البشرية البائسة التي يرمى بِهَا إليه ظلم الإنسان للإنسان وكانوا هذه المرة يتابعون المعركة بعيون زائغة وحركات قلقة؛ فلم يحدث في تاريخ حظيرة الموت أن تلكأت آلة الإعدام عن مهمتها، ولم يحدث لأسدهم مثل هذا العنت في المقاومة .. ففي اللحظة التي ينتظرون وقوع المخالب والأنياب على الفارس أو الفرس، بعد وثبة هائلة من الوحش يجدون أن الفرس قد راغ بفارسه بعيدا، ووقع الأسد على الأرض الفارغة يسف التراب، ولقيت مخالبه ضربة قاسية من الأرض الصلبة، وفي زبحرة الغضب والحقد من الخيبة يرى الفارس يعود إليه يحتك به من جديد، ويعيد الأسد الكرة وقد ظهر أنه لن يفلت الفريسة هذه الْمَرَّة، ولكن الحركة تتكرر وتذهب الوثبة سدى، حتَّى