الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٧٧

الإباضية في موكب التاريخ

113

الإباضية في الجزائر كل الأسد من الوثوب، وأصبح يطارد الفريسة مطاردة لعله يلحق بها، وهذا ما كان يرجوه الفارس الماهر، وعندما يكاد الأسد يصل إلى القدمين الخلفيتين للفرس يهمز الفارس فرسه بالأشابير همزة قوية فيرمح الفرس الأسد رمحة قوية بنعاله الحديدية فتقع عليه الضربة، إلى أن صادفت إحدى الضربات موضعا قاتلا من رأس الأسد فوقع، وكان أغرب ما ختمت به هذه المأساة التي صارت ملهاة، وطالت أكثر مما قدر لها أن تمكن الفتي الأعزل من قتل الأسد، وسلم الفارس والفرس، وقد اختار أبو العباس الدرجيني وهو يصف قتل الأسد أن يقول: فهوى ميتا كالنخلة السحوق، والحمد تغلب هذا الفتى عَلَى الأسد وقد تغلب فتيان من قبله عَلَى أسود في مثل هذه المواقف، بل استطاع بعضهم أن يقتل أسدًا بالسوط فقط دون سلاح أو فرس، وقد حلات الوقائع بقصائد من الشعر الرفيع في الأدب العربي، لقد خابت المكيدة ولم تنجح الحاشية في

الله.

بعض تلك

خطتها التي حسبتها مضمونة. وقد أعجب المعز بن باديس بالفتى المزاتي وشجاعته وفروسيته وتَمنَّى لو كان في حاشيته وجنده عدد من مثل هذا البطل، ونزل من منصته وتقدم إلى الفتى يهنئه ويشكره، ثُمَّ أعطاه جائزة مالية قدرها ألف وخمسمائة دينارا، فأخذها الفتى وشكر الملك على ثقته، وانصرف مستعجلا وهو يتوقع أن تتفتق أذهان الحاشية عَلَى مكيدة أخرى، ويم ويحسب أن خيب أن خيبتهم في التجربة الأولى ستزيد من حقدهم عليه وبغضهم له.

كان أبو باديس أبخت بن باديس من أولئك العلماء العاملين الذين لا تشغلهم الدنيا تكاليف الحياة ما بذمتهم من واجبات نحو الأمة والمجتمع، ولا يقصرون

الله

الدين، ولا تنسيهم كفاحهم على الجانب المادي فتستعبدهم الدنيا، ولا على الجانب الروحي فيقتعدون زوايا المساجد لا يبرحون .. ينتظرون من يرمي في أيديهم باللقمة، وعلى أجسامهم بالخرقة، ولكنَّه كان يعمل عمل المؤمنين الأغنياء، ويجاهد لإقامة دين ما وسعه الجهاد، فكان يقوم بالتدريس لفتيان "مَزَّاتَة" البادين ينتقل بين أحيائهم في سهول عنابة الخضراء، وكان يجتمع بالعلماء والمشايخ فيناقشهم في مسائل العلم، ومشاكل السلوك، وكان يقص من سيرة السلف الصالح ما فيه العبرة والموعظة الحسنة عَلَى المجتمعات التي يحضرها، وألف في الوعظ والإرشاد