الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٧٨

الإباضية في موكب التاريخ

114

الإباضية في الجزائر

كتبا، وكان كثير التجوّل للعبرة والاتعاظ، وحج إلى بيت الله غير مرة وزار بيت المقدس وعندما كف بصره لزم بيته وفرغ لنفسه، فكان إذا خلا مجلسه من طلاب العلم وأخبار إلى نفسه ليقوم بحق رَبِّه في نوع من أنواع العبادة .. إمَّا صلاة ينقطع فيها عن دنيا البشر إلى مناجاة خالقه، وإما ابتهال ودعاء حار يرجو فيه رحمة الله ويستعيذ من عذابه، وَإِمَّا تلاوة للقرآن الكريم تلاوة تدبر وإمعان يراجع فيها أحكام الله.

السيرة

وقد توفي أبو باديس عن سن تناهز المائة، ولم يتحقق أمله في أن تكون دولة مسلمة عادلة تسير على منهاج الدين في أحكامها، وتتبع نظمه في سياستها، وتوفي بعده ولده باديس ولم يتحقق الأمل، ولحق بهما من بعد ولدهما مُحَمَّد الفتى المزاتي الذي مكر به المعز بن باديس وحاشيته فانتصر عليهم بفضل شجاعته وبراعته في الفروسية وحضور ذهنه عند الشدائد، ولم يتحقق ذلك الأمل الذي ظل يراود أفراد هذه الأسرة ثلاثة أجيال.

على أن العلماء في عصر أبي عبد الله لَمْ يتركوها تمرّ فقد عتبوا عليه في وفادته على المعز، ولو لم يكونوا مقتنعين أَنه لَمْ يفد عليه طلبا للدنيا ولا تزلفًا إلى أصحاب السلطة، وَإِنَّمَا وفد عليه ليختبر قوته، مقدرًا سلطانه حَتَّى يستمر على مسألته، أو يدعو إلى الثورة عليه وانتزاع

الحكم من يديه.

فعلم أن الرجل قوي، متمكن وأن الثورة عليه لا تزيد عن فتنة تذهب فيها أموال ودماء دون أن تحقق ما يأمله المسلمون فالتزم سيرة أبيه وجده وحافظ على الأمن والسلام .. ولهذا الاعتبار لم يعامله أولئك العلماء كما عاملوا العلامة أبا مُحَمَّد عبد الله بن جابر حين وفد

على أمراء "قابس"، وذلك أن أبا عبد الله اليشكني كان غنيًا قويًا لم تعلق به شبهة الطمع والتزلف حين وفد عَلَى المعز، أَمَّا أبو مُحَمَّد الله بن جابر فقد كان مقلا تغلب عليه عبد

الحاجة، فَلَمَّا وفد عَلَى أمراء "قابس" تعلقت به شبهة الرغبة في دنياهم، ودنياهم تلك غير نظيفة فأخرجه المشايخ إلى الخُطة استنادا إلى الأثر المشهور: «إذا رأيتم العالم يغشى باب السلطان فاتَّهموه عَلَى دينكم».