الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٨٠

الإباضية في موكب التاريخ

116

الإباضية في الجزائر

تلاقي أبو عبد الله ما تحصل في صدور العزابة فقيد منه أربعة وعشرين بابا، فلذلك تجد فيها قلة الاتزان والزيادة والنقصان.

ومن المؤسف أن هذه القطع الشعرية حتّى التي جمعها أبو عبد الله قد ضاعت، ولقد بذلت ما لدي من الجهود للعثور على بعض تلك الأشعار فلم أوفق، ولعل من الأخطاء التي وقع فيها كثير من المؤرخين فيما أرى أنهم لَمْ يعملوا عَلَى نقل تلك الشواهد بنصوصها في لغاتها الأصلية، فاستغنوا عن تلك الشواهد بمبناها ومعناها في بعض الأحيان، وترجموا القليل منها أحيانًا .. ولا شك أن الترجمة لا تؤدي ما يؤديه الأصل، ولا تدل دلالة حقيقية على المعاني التي وضعت لها عبارتها الأصلية في لغتها الأصلية، ولقد تكفي الترجمة إذا كان الموضوع يتعلق بأحداث تاريخية تسرد سردا .. ولكن ذلك يكاد مستحيلا إذا كان الموضوع يتعلق بالصورة الشعرية والاختلاجات النفسية والإحساسات الرقيقة التي تعبر عنها كُلّ لغة، بالإضافة إلى اللفظ والجرس والإيحاء والكلمة الموزونة التي لا يغني عنها غيرها.

وكنت كثيرا ما أحس بالأسف والحسرة عندما أقرأ ترجمة شخصية من الشخصيات في كتب التاريخ، فيقول المؤرخ إن للمترجم له شعراً أو نثراً باللغة البربرية له حلاوة وعليه طلاوة، ولكني تركته مخافة التطويل أو خشية أن لا يفهمه الناس وكنت أقول في نفسي: ما ضر صاحبنا لو نقل إلينا تلك الشواهد بنصوصها ثُمَّ ترجمها أو ترجم مفرداتها إن كان يعرف معناها، وإلا نقلها إلينا فيكون قد أو فى الأمانة العلمية حقها .. عَلَى أن بعضهم عمل بالمثل فنقل إلينا جملا من ذلك دون أن يعرض لترجمة تلك النصوص لا في معانيها الإجمالية ولا في

مفرداتها اللغوية، ولا شك أن موقف هؤلاء أفضل من موقف الأولين، ورحم الله الجميع. عاش أبو سهل الفارسي في عهد الدولة الرستمية الأخير، وكان ترجمانا للإمام يوسف بن مُحَمَّد، ولا أعتقد أنه ترجم لجده أفلح؛ فإنَّه في ذلك الحين كان صغيرًا جدًا، وَلَمَّا تغلبت الدولة العبيدية على الدولة الرستمية، وتشرد رجالها قصدت كُلّ طائفة منهم جهة ما، وكان أغلبهم قد اتجه إلى الواحات في الجنوب؛ أما أبو سهل فقد اختار أن يتجه إلى الشمال الشرقي، وقصد مرسى الدجاج من جزائر بني" "مزغنة وهي مواقع عاصمة الجزائر اليوم، وعاش هنالك في دائرة ضيقة يعبد الله وينظم الشعر، ويتحسر على ما فات أمة الإسلام من خير حتى وافاه الأجل، وكان الناس يزورونه من حين إلى حين للاستفادة، فَلَمَّا توفي كان كثيرًا ما يخطر لبعضهم أن يقول للآخرين: "هيا بنا ننطلق إلى زيارة قبر النادب دينه، فنستغفر له ونترحم عليه".

"1