الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٨١

الإباضية في موكب التاريخ

117

الإباضية في الجزائر

أبو صالح جنون بن يمريان

أبو صالح جنون بن يمريان شخصية فذة من تلك الشخصيات التي تتسامى بمواهبها وأعمالها وأخلاقها حَتَّى تكون ظاهرة مرتفعة بين الجميع وعند الجميع .. جمع أبو صالح بين عدد من الفضائل قل أن تجتمع في شخص فقد كان الرجل عالما غزير المادة، وذكيًا متوقد الذكاء، وحليما واسع الحلم، وكريما بالغ الكرم، وحييا عظيم الحياء .. ولكنَّه إلى ذلك شديدا في أمر الله لا يخاف ولا يأبه ولا يسكت، وقد أغدق الله عليه نعمة ووسع عليه موارد الثروة، فكان لسعة علمه وماله وخلقه مقصدا للناس، يأتونه من كل جانب، ويلتجئون إليه في كُلّ شدة، وكان قد حزم أمر وارجلان"، ووحد بينها حَتَّى صارت كتلة قوية يخشاها الظالمون ويتحاشون جانبها.

المال،

لم يشترك في المجال السياسي، ولم يقم بأية حركة في هذا الميدان حسبما وصلت إليه في أبحاثي، فكانت "وَارجُلاَن" في عصره مستقلة عن جميع الدول الحاكمة تحكم نفسها بنفسها .. يقيم العلماء أحكام الإسلام فيها اعتمادًا عَلَى كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الأئمة من السلف، لا سيما أئمة الدولة الرستُميَّة، وما استنبطوا من أحكام .. ولذلك فقد كانت ملجأ لعلماء الإباضية وزعمائهم طيلة قرن كامل، يفرون إليها من الاضطهاد فيجدون في ربوعها الأمن الشامل في قلعة طبيعية لا تقربها يد ظالم، وكان المقصود من هذا الملجأ الأمين إنَّما هو أبو صالح جنون.

ويكفي أن يعرف القارئ ما يلي حَتَّى يدرك المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها أبو صالح في ذلك الحين، عندما تغلبت الدولة العبيدية عَلَى الدولة الرستمية واحتلت "تاهرت" كانت أعظم شخصية رستمية يخشاها العبيديون إنَّما هو أبو يوسف يعقوب بن أفلح، وهو حري لو دعا الناس إلى مبايعته بالإمامة أن يستجيبوا له ويبايعونه لاستطاع أن يكون دولة قوية تقف في وجه الدولة العبيدية التي بدأت تزحف وتمتد .. ولذلك فقد كان قواد الدولة العبيدية حراصا على قتله أو الحصول عليه، فأطلقوا من ورائه فرقًا من

(1) من علماء القرن الرابع ذكره الباروني في الطبقة السابعة.