الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٨٢الإباضية في موكب التاريخ
118
الإباضية في الجزائر
الجيش تطارده خوفًا من أن تتجمع من حوله السيوف، وتقف معه الجموع كما وقفت مع جده العظيم عبد الرحمن. وجرت تلك الفرق من الجنود وراءه أشواطا، ولكنَّها أخيرًا توقفت حين علمت أنه يقصد وراجلان الحصينة القوية وكان العبيديون يخشون إثارتها فتحاشوها .. ووصل العالم الكبير أبو يوسف يعقوب إلى وارجلان" فاستقبله أبو صالحا كما يستقبل أباه، وكان أبو يوسف شيخا كبيرًا، أَمَّا أبو صالح فقد كان في ريعان الشباب وعنفوان القوة، ووضع الشاب المؤمن الغني كُلّ ما كان له تحت تصرف الشيخ الكبير، عرض عليه أن يدعو الناس إلى بيعته، ولكن أبا يوسف قد استقر رأيه عَلَى رأي بعض علماء المذهب من الابتعاد عن الحال السياسي، وتركه لأولئك الذين يتقاتلون عليه؛ فاقتنع وأحب أن يقضي بقية حياته هدوء .. فمهد له أبو صالح سبيل الحياة الكريمة، وأغدق عليه من ماله الغزير وأحاطه بما يحاط به أمثاله من العناية والتكريم. أَمَّا هذه واحدة؛ الثانية فقد كانت الأخرى في الدولة العبيدية، وذلك أن المعز لدين الله الفاطمي حين قرر الانتقال إلى القاهرة كان يخشى على ملكه في المغرب، وكان يخشى على الأخص من العالمين الفاضلين الإمامين أبي خزر يغلا بن أيوب وأبي نوح سعيد بن زنغيل، فقرر أن يأخذهما معه، وأصدر أمره إليهما فاستجاب أبو خزر، أما أبو نوح فتعلل بالمرض، وعندما أراد المعز السفر أحضر إليه خليفته على بلاد المغرب وأوصاه أغرب وصية (1) أوصى بها ملك جائر عامله على رعيته، وكان فيما أوصاه به أن لا يرفع السيف عن البربر، والبربر في ذلك الحين هم سكان البلاد؛ فتوقع أبو نوح أذى كثيرا يناله إن أقام في موطنه "الحامة" قريبا من مركز الدولة، وقرر أن يفر بأسرته إلى مكان يأمن فيه مكر الدولة العبيدية ومكايد الحكام الظالمين ورأى أن أنسب مكان له إِنَّمَا وار جلان"، هو فاتجه إلى المغرب حَتَّى وصل "وار جلان"، وكانت في أحسن عهود ازدهارها، كثرة
هي
(1) لما أرد المعز لدين الله الفاطمي الانتقال إلى القاهرة أوصى خليفته على المغرب يوسف بن زيرى قائلاً: «إن نسيت شيئاً مما أوصيك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر،
ولا تول أحداً من إخوتك أو بيتك شيئا، فإنَّهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بالحضر خيراً».