الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٨٣الإباضية في موكب التاريخ
119
الإباضية في الجزائر
سكان، ووفرة ثروة وغزارة علم، وأكرم وفادته وأسبغ عليه فضله كما فعل من قبل مع الإمام أبي يوسف يعقوب بن أفلح.
ويبدو أن أبا نوح كان خائفا يترقب ما سوف يقوم به الحكام الظالمون وقص مخاوفه على أبي صالح، فقال له ما قاله سيدنا شعيب لسيدنا موسى عليهما السلام-: ولا تخف نجوت مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، واستقر أبو نوح في "وارجلان" عند أبي صالح، وقد يسر له أسباب الحياة الكريمة والمعيشة الرغدة، وبعد زمن حنَّ الإمام الكبير إلى موطنه وعزم على زيارة أهله في بلده. فاستمسك به أبو صالح وعرض عليه أن يقاسمه ماله ولكن الشوق إلى الوطن كان قد غلب الإمام واستبد به وصمم على الزيارة. ورجع أبو نوح فعلا إلى وطنه "الحامة" وَلَكنَّه وجد الأحوال قد تغيرت على ما كانت عليه، وتبدل الناس وسيرتهم، وفعل الحكم الظالم والفتن المتوالية فعله في دين الناس وأخلاقهم، فتغيرت معالم الحياة، وتبدلت القيم في نظر الناس؛ فأصبح قسم منهم ينظر إلى ترف الحياة نظره إلى غاية سامية يسعى إليها بكُلِّ ما في يده من وسيلة، وقسم اعتصم بدينه، واستمسك بأخلاقه ومثله؛ فأعرضت عنه رفاهية الحياة، وجانبته مادية الحكـ واضطهده الظالمون وأعوان الظالمين ومن يسير في ركابهم.
فندم أبو نوح عَلَى مفارقته لـ"وَارجُلان"، وخروجه عن صحبة أولئك القوم الكرام. كانت "وَارجُلان" عاصمة من عواصم الصحراء تبدو فيها بين الواحات كالعملاق العظيم، وكان أبو صالح على هامة هذا العملاق طيلة قرن كامل، يملأ الدنيا دينا وعلما وعملا صالحًا .. كان رجال العلم يلجأون إليها من كُلّ مكان فيجدون في المدينة نعم المقر، ويجدون من السكان نعم الأخوة، محبة ويجدون من أبي صالح خاصة نعم الأب والأخ والصديق يضفي عليهم، محبته ويقدم إليهم، خدمته، ويتولاهم بإرشـ
وخلقا
ماله.
بإرشاده،
ويوجههم بتعليمه، وينفق عليهم من
1) سورة القصص: 25.