الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٨٤

الإباضية في موكب التاريخ

120

الإباضية في الجزائر

وَلَعَلّ القارئ الكريم يتطلع إلى معرفة بعض الوقائع من حياة هذا الرجل العظيم، فإذا شاء ذلك فإليه أمثلة منها: 1 - وقعت مجاعة في "وارلان"، وأصبح عدد الفقراء يزداد كُلّ يوم، وما بأيدي الناس يتناقص حَتَّى أحس أهل المدينة بالخطر، وكان أبو صالح من أكثر الناس ثروة، وأكثرهم عملا، وأحسنهم ادخارا، فَلَمَّا رأى ذلك في الناس بدأ ينفق عليهم من ماله بالقدر الذي ينفق منه عَلَى عياله حَتَّى نفذ جميع ما عنده، ولم يفضل أسرته أو نفسه إبان الإنفاق بشيء، ولم يدخر شيئًا حَتَّى أصبح مثلهم لا يملك قوت يوم ثُمَّ جاء الفرج من

الله.

-2 - مرت سنة عجفاء عَلَى أهل وَارجُلاَن" فرَّ فيها أصحاب الماشية بجميع مواشيهم إلى مواقع الغيث والخصب بعيدا عن وارجلان، وقد أمسك أبو صالح عنده جملا يعلفه، وبعض شياه احتسابا للطوارئ، واستعدادًا للضيوف، ومضى زمن غير يسير عَلَى الناس لَمْ يذوقوا فيه لحما فقدموا إليه، وكان أبو صالح يلاحظ فيهم كل شيء، ويسمع الواحد يقول للآخر: "لقد علينا كذا وكذا يومًا أو شهرًاً لَمْ نذق فيه اللحم"، فيجيبه الثاني بمثل جوابه؛ فعمد أبو صالح إلى الجمل الذي يعلفه فنحره ثُمَّ قسمه على أهل المدينة وسمع آخر الأمر أن أهل بيت لمْ يصل إليهم نصيبهم من اللحم فأمر خادمه أن يأخذ نصيب أسرته إلى أهل ذلك البيت، ثُمَّ أمره فذبح لأهله شاة تعويضا لهم عن نصيبهم الذي أخذه من بين أيديهم.

منهم

جميعًا،

مضى

كان يشتغل في مزارعه كأنشط الزراع، وأبرعهم، واشتغل مرة بسقي الأجنة وتوزيع المياه عليها حَتَّى فاتته صلاة المغرب مع الإمام، وكان في ليلة جمعة من شهر رمضان، فتألم لذلك أشد الألم وشق عليه هذا التقصير، فأخذ في الصلاة بعدما دخل المسجد واستمر فجاءه أهله بفطوره فوجدوه قائمًا يصلي فوضعوه إلى جانبه، ثُمَّ جاءوه بسحوره فوجدوه قائما يصلي فوضعوه إلى جانبه، ولم يشتغل به حَتَّى ظهر عليه الفجر، وعند الصباح تصدق بطعام مسكينين فطورًا وسحورًا، وقال عن نفسه: "هذا جزاء راع ضيع ما يرعاه"، يعني بذلك عقابه لنفسه بحرمانها من فطورها وسحورها وحملها على