الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٨٧

الإباضية في موكب التاريخ

123

الإباضية في الجزائر

- والثالثة إذا أقبل الشتاء فحصلوا كسوة شتوتكم، فإن من بات مبيت سوء ليلة واحدة لا يخلفها أبدا، والذي تخلقون من ثيابكم فيه بقية ومنفعة للصيف المقبل، وكف

للألسنة عنكم".

أحسب أن هذه الوقائع التي نقلتها للقارئ الكريم تضع إطارًا عامًا جامعا للصورة التي نحاول أن نرسمها لهذا الرجل العظيم في شخصه وفي سلوكه. وهل ترى أكرم ممن ينفق في المحل لا يترك شيئًا لنفسه وأهله، ولا يفضلهم بشيء عَلَى غيرهم، بل ويتحسس رغباتهم وشهواتهم؛ فإذا أحس أنَّهم قرموا إلى اللحم عمد إلى خيار ماله فذبحه لهم؟!. وهل ترى أعظم ممَّن يلتجئ إليه الزعماء الذين تطاردهم دول وجيوش، حَتَّى إذا

وصلوا إليه وجدوا في كنفه الأمن والسلام والعيش الرغيد والحياة الكريمة؟!.

وهل تجد أتقى الله ممَّن تفوته صلاة الجماعة مَرَّةً واحدة لانشغاله بعمل مندوب إليه فيعاقب نفسه على ذلك بمواصلة الصلاة ليلة كاملة، وحرمان نفسه من الأكل وإطعام مسكينين؟!.

وهل تجد أصبر عَلَى الأذى ممَّن تقوم إليه زوجته ويداها ملطختان بالعجين فتصفعه حَتَّى يبقى أثر العجين على وجهه الكريم، فلا يزيد على الحوقلة والاستغفار؟!. وهل تجد أحلم ممَّن يقف بين رجل قد سبقت منه الإساءة إليه والتطاول عليه، فلا يجد من نفسه إلا أن يتصدق عليه بضعف ما يتصدق به عَلَى غيره إرغاما لأنف الشيطان؟!. الله أبا صالح، فقد كان كما قال أبو العباس الدرجيني: «ذو الورع والسخاء،

حم

وصالح بركات الدعاء، وهو أحد أقطاب الدين، وشَمَّال اليتامى والمساكين».