الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٨٨الإباضية في موكب التاريخ
124
الإباضية في الجزائر
أبو نوح سعيد بن خلف)
أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي علم من أعلام مزاتة، وعظيم من عظمائها، كان يعيش عيشة أهل البادية، ينتقل بأنعامه الكثيرة بين الأقطار الثلاثة الجزائر وتونس، وليبيا، طلبا للمرعى، وجريا وراء الخصب، قال عنه أبو العباس الدرجيني: وكان ذا سعة في العلم والمال حيب الصدر فيها عند السؤال، لا يضجر من السائل، ولا يعيا من أجوبة المسائل، والورع في كل ذلك دليله، والرفق خليله».
من
كان أبو نوح صاحب إبل وغنم وخيل، يتأثر بخطا أبي باديس أبخت ويقتدي به، وكان أفذاذ العلماء، فهو يجمع بين سعة العلم، ومتانة الدين .. وكان يعيش في عصر انحرف فيه فهو ينتظر يوما تشرق فيه شمس العدالة في دولة إسلامية نزيهة الحكم،
الله الحكم عن دين سليمة المقصد، قوية الاتجاه مسلمة المنهج.
ولذلك فهو لا ينفك يعد لذلك، ويجمع له المال فيحافظ له عليه ويعد الخيل ويربيها ويرعاها، ويجمع السلاح والعتاد ووسائل القوة، حَتَّى إذا جاءت الدولة المسلمة التي ترعى كتاب الله وتعمل بحكمة وقف إلى جانبها وأمدها بالمال والسلاح وكان من أشد أنصارها، وأقوى أعضادها، وأصلب أعوانها عَلَى إقامة الْحَقِّ والعدل .. ولكن القدر لم يحقق له هذا
الأمل، ولم يتح له هذه الفرصة، ولم تتكون تلك الدولة التي كان يرجوها له ويعد لها .. كان أبو نوح فارسا من أعظم الفرسان، وكان يختار من رعائل خيله أعرقها نسياء وأعتقها منظرًا ومظهرًا فيتخذها لنفسه يركبها في أسفاره الكثيرة، ويحج عليها إلى بيت الله، ويزور بلاد الإسلام يتعرف فيها على أحوال المسلمين في كُلِّ مكان، وكان ورعا شديد الورع، محافظاً شديد المحافظة، يأخذ نفسه بالعزيمة ولا يجنح إلى الرخصة، يحاسب نفسه على الكبيرة والصغيرة أشد المحاسبة، ويحرص مع ربه على أوثق العلائق. أشد الحرص دائما كان كما أسلفت كثير الأسفار يعيش في البادية، ويبيت في الخلاء، يقطع المسافات الطويلة والصحاري الشاسعة ما بين الجزائر وليبيا منفردًا أو مع رفقة، ومع ذلك لَمْ يُصَلِّ
(1) من علماء القرن الرابع ذكره الباروني في الطبقة الثامنة.