الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٨٩

الإباضية في موكب التاريخ

125

الإباضية في الجزائر

قط .. وكان قد خصص لصلاته ثيابا لا يلبسها في غير حالة الصلاة أبدا، فإذا حضرت بتيمم الصلاة تطهر ثُمَّ عمد إلى خرج يحتفظ به معه دائمًا؛ فأخرج ثيابا نظيفة طاهرة فصلى بها فرضاً أو سنة أو تطوعًا أو كلها، فإذا قضى صلاته طوى تلك الثياب ثُمَّ أعادها في مكانها من الخرج نظيفة طاهرة، ولبس لباسه العادي؛ وذلك لأنه كان شديد الاحتياط في موضوع الطهارة، فإن اللباس العادي قد تمسه أو تعلق به بعض النجاسات بعلم أو بغير علم، وهو ينتقل بين مرابض الغنم ومعاطن الإبل واصطبلات الخيول. وقد عود نفسه على أنواع من العبادة لم يتركها قط في حضر ولا سفر؛ فقد كان يصلي صلاة الضحى فلم يتركها طول حياته، كما أنه اعتاد أن يصلي الصلوات في أوائل أوقاتها لا يؤخرها أبدا، فإذا كان في سفر وحل وقت الصلاة أوقف فرسه ثُمَّ نزل فتطهر ثم يصلي الصلاة الحاضرة، فإذا أتمها ركب فرسه فلحق بالرفقة إن كان له رفقة، وموقفه من صلاة الفرض هو موقفه من صلاة السنة وصلاة التطوع التي اعتادها وكان مما اعتاده نوم الظهيرة فكان لا يتركه في حضر ولا سفر، فعندما يحل وقت المقيل وهو مسافر فإنَّه يتزل عن فرسه ثُمَّ يضرب بجنبيه عَلَى الأرض فينام نومه الظهيرة، ثُمَّ يقوم فيتطهر ويصلي ويركب جواده فيلحق بالرفقة، وكان هذا دأبه حتى توفاه الله. أعتقد أن ما حدثتك به عنه إِنَّمَا يعطينا بعض الخطوط إذا أردنا أن نرسم صورة لرجل مسلم يعيش في بيئة لا تساعد كثيرًا على الاستمساك بطرق العبادة، والاعتماد في جميع الأحوال على العزيمة دون الرخصة، ولَعَلَّه وأمثاله يقومون حجة على المسلمين الذين يجدون من انشغالهم بالأعمال اليومية والدنيوية الكثيرة أعذارًا يستندون إليها في الإهمال والتهاون عن أداء فرائض أما إذا أردنا أن نرسم له صورة تمثله في الجانب العلمي فإن لذلك قصصًا ووقائع تَدُلُّ عَلَى يتمتع به الرجل من غزارة العلم، واستقلال النظرة، ونفاذ البصيرة، ومراعاة لمصلحة الأمة، وذكاء نفاذ إلى معرفة العلل الحقيقية الشرعية لأحكام الله. كان لا يفتأ يفتي بوجوب مراعاة مصلحة المسلمين وصيانة أموالهم حتى وهم غائبون، وكان يقول: مهما تصرفت في أموال الناس بقصد أن تدخل عليها مصلحة في ذلك، أو تدراً عنها مضرة فإنَّه ليس عليك تباعة في ذلك ولو لحقها بعض

ما

الضرر.

الله.