الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩٠الإباضية في موكب التاريخ
126
الإباضية في الجزائر
وتذكر كتب التاريخ أنه يسير في الحياة بمقتضى فتواه وينفذها فيما يتطلب ذلك منه؛ فقد كان في يوم من الأيام راكبًا عَلَى فرس يتبعها مهر، ومرّ بجانب مزرعة لأحد الناس، فرأى في
وسطها قطيعا من البقر فلوى عنان فرسه إلى المزرعة ودخلها راكبا يطرد عنها البقر، ولم يتحرج ممَّا قد تطؤه أرجل الفرس أو المهر أو ما عساه يختطفه المهر وهو يجرى وراء أمه، وقد رأى أنه يباح له هذا الضرر القليل ليبعد عن المزرعة الضرر الكبير.
كان أبو نوح سعيد بن يخلف متواضعًا كريما سهل الخلق طيب النفس، لا يتكلف ولا يتملق عظماء الناس، ولا يتظاهر بالغنى أمامهم، أو يترفع عنهم ..
وعندما وقعت مجاعة محرقة بسبب جفاف طال أمده في الجزائر وتونس، وفساد في امتد وطال، وفتن عمياء كانت توقد نيرانها نزاعًا عَلَى السلطة فلا تنطفئ؛ ارتحل أبو نوح بمواشيه إلى الأراضي الليبية، وقد اختار لها تلك السهول الفسيحة الممتدة بين البحر و"زوارة" من الشمال وجبل نفوسة من الجنوب، وقد زاره هناك الإمام الكبير أبو نوح سعيد بن زنغيل أيام محنته حين كان يطارده الظالمون من أتباع الدولة العبيدية فيتنكر في ثياب رعاة الإبل؛ فمكث عنده أياما، فكان يقدم له "العصيدة باللبن" (وهي أكلة ليبية معروفة يتقنها أهل
البادية وأشباههم ويميلون إليها لسهولتها وخفة (مؤونتها فكان يقدمها في حياء ويقول للإمام: "كل" يا شيخ، فإني لا أعتذر لمن أدعو له بالجنة وأرجو أن يكون من أهلها".
وأبو نوح سعيد بن زنغيل حينما ذهب إلى "وَارجُلاَن" وبقي في ضيافة أبي صالح جنون تحير أبو صالح في طعامه وبحث فلم يجد في "وَارجُلاَن" كلها إلا امرأة واحدة حاذقة بألوان الطهي فخصصها للإشراف على ما يقدم لأبي نوح، وكانوا يحسبونه مرفها. كان أبو نوح سعيد بن زنغيل وهو في ضيافة أبي نوح سعيد بن يخلف حين يقدم إليه طعامه "عيش ولبن" ويعتذر له مضيفه بذلك العذر اللطيف يسر وينشرح صدره بهذه البساطة، ويستلذ ذلك الطعام البسيط، ويفضله على كثير مما يقدمه إليه الآخرون من الذبائح، والاحتفال في إعداد الطعام، وتعديد ألوانه وأشكاله ممَّن ليسوا في مكانة أبي نوح الدينية والخلقية. وَلَعَلّ أحسن ما نختم به هذا الفصل ما قاله أبو العباس الدرجيني: «وكان كثير المال، كثير الأضياف، لا يرد بابه دون أمل».