الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩الإباضية في موكب التاريخ
87
نشأة المذهب الإباضي
كيف تكون نظام العزابة في أواخر القرن الثالث الهجري وقعت حادثتان كبيرتان
وكان لهما أثر كبير على الإباضيَّة في ليبيا وتونس والجزائر:
- الأولى: الحرب الطاحنة بين الأغالبة والإباضية في قصر "مانو"، وقد تلقى فيها الإباضية ضربة عنيفة من يد الطاغية أحمد بن الأغلب.
- أما الثانية: فهي تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضاؤهم على هذه
الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبية والشيعية لا تتبعان أحكام الإسلام، ولا تعملان بها، فقد فكر علماء الإباضيَّة في جعل نظام يسيرون عليه يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلجؤوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلقوا بدولة ظالمة مستبدة؛ فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أول الأمر عُرفًا يسير عليه الناس، حتّى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثُمَّ طبقه تطبيقا كاملا في مواطن الإباضية، في ليبيا، ثُمَّ تونس، ثُمَّ الجزائر، حيث لا يزال يطبق بدقة .. وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرخون أن الإمام أبا عبد الله هو واضع نظام العزابة، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يعتبر واضعًا لهذا النظام، فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسقة. وقد جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء الكبار عنوا بدارسة هذا النظام عناية خاصة، أضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ: "سيرة العزابة ومن العلماء الذين عنوا به، وكتبوا عنه: أبو زكرياء يحيى بن بكر، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلم، وآداب حلقة العزابة وما يجب أن تُنَزَّه عنه. والذي يدرس هذا النظام كما شرحه أولئك الأئمة الأعلام يخرج بقانون فذ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم
?"