الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩١الإباضية في موكب التاريخ
127
الإباضية في الجزائر
(1)
أبو عبد الله محمد بن بكر)
هو: «الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد (2)، أقامه الإباضيَّة مقام الإمام، في جميع الأمور والأحكام، أسس لهم قواعد السيرة، وله في كُلّ فن
تأليف كثيرة».
هذه شهادة اتفق عليها المؤرخان الكبيران الدرجيني، والشماخي، وهي تشير بإيجاز إلى منزلة أبي عبد الله عند الإباضية، وإلى ما كان يتمتع به من ثقة وإكبار عندهم وَلَكنَّها مع ذلك لا تكفي لإعطاء صورة واضحة عن هذا الإمام العظيم الذي يعتبر بحق أحد أولئك الأعلام القلائل الذين يوجدون في فترات متباعدة من الزمن فيوجهون البشرية في أطوار من التاريخ فيتغير التاريخ بتوجيههم. لقد كان أبو عبدالله بآرائه وتعليمه وتوجيهه وسلوكه فاصلا واضحا بين طورين من أطوار تاريخ الإباضية في المغرب الإسلامي.
ولد أبو عبد الله بن بكر الفرسطائي في منتصف القرن الرابع الهجري بمدينة "قرمطاء" العظيمة حينئذ، والقرية الصغيرة المنعزلة الآن عَلَى ربوة مرتفعة فوق قمة شامخة من قمم جبل نفوسة تطل على واد عميق تتناثر فيه أجنة (3) فسيحة ترتفع منها نخلات باسقات، وتحتم فيه أعداد من شجر التين المخضر في الصيف العاري في الشتاء، من أسرة مشهورة بالعلم والعمل والصلاح، فقد كان أبوه وجده من علماء الجبل، ولهما في كتب الفقه أقوال منتشرة في مختلف مسائل الفروع.
1) ولد سنة 345 هـ حسبما ذكره أستاذنا باكلي عبد الرحمن، وتوفى سنة 440 هـ. (2) جمع تمد: وهو الماء القليل يبقى في الأرض الجلد. وقيل: الماء القليل يظهر في الشتاء ويذهب في انظر: العين، (محمد). (المراجع)
يف.
كثيراً ما أستعمل كلمة "أجنة" جمعاً لكلمة جنان قياسا على "أسلحة" جمع سلاح، وأنظمة جمع نظام، وإن كان الشائع استعمالها جمعا لكلمة جنين.