الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩٢الإباضية في موكب التاريخ
128
الإباضية في الجزائر
11
الأما
درس عَلَى مشائخ الْجَبل حَتَّى بلغ مرتبة رفيعة، ثُمَّ رغب في المزيد لا في العلوم النظرية فإن معين العلوم النظرية في الجبل حينئذ كان لا ينضب، ولكنَّه أراد أن يدرس علوم الاجتماع والمشاهدة وسافر من "فُرسُطَاء" إلى جزيرة جربة" فدرس على بعض مشايخها حتّى استوعب ما عندهم، ثُمَّ انتقل إلى "القيروان" وكانت حينئذ عامرة بعلماء الإباضية، فقعد عند أحد مشائخها حتّى استوعب ما عنده فقال له الشيخ: أوصي بك إلى من هو أعلم مني"، فانتقل إلى أبي مُحَمَّد وَلَم يلبث إلا يسيرًا حَتَّى استوعب ما عنده؛ لما رزق من الذكاء والحرص والجد، وقرر أن يرجع إلى البحر الذي لا ينضب الإمام أبي نوح سعيد بن زنغيل، ذلك الفتى الذي شهد له المعز الفاطمي بالبراعة في النقاش، فقال فيه: سعيد ففى مجادل"، وبعد دراسته عَلَى أبي نوح ابتدأ عهد الكفاح في العمل - ورُبَّمَا- بتوجيه من أبي نوح- متنقلا بين بلاد الإباضيَّة في المغرب الإسلامي، فرجع إلى جبل نفوسة وبني هنالك مسجده المعروف إلى الآن في بلده "فُرسُطَاء"، وكان قد وضع الخطوط العريضة لنظامه المعروف بمعاونة أبي زكرياء بن أبي مسور فدعا إليه في الجبل وطبق في بعض الجهات، ولم ينتظر حتى يعم جميع مناطق الجبل، فقد كان مطمئنًا، وَإِنَّمَا قرر الانتقال إلى بلاد المغرب فمر جديد، وعمل على إقرار النظام بمساعدة علمائها، ثُمَّ تنقل إلى بلاد الإباضية في الجنوب التونسي، وكانوا في ذلك الحين مضطهدين مُحاربين يستبد بهم الخوف من الظلم المرير المتواصل، فلم يستطع الإقامة هنالك، ومر ببلاد "قصطيلية" بسرعة كما مر من قبل بجبال "دمر" وغيرها، حتّى وصل جنوب الجزائر من وغلانت" و"بلاد أريغ" و"وار جلان" وبادية "بني مصعب" فاستقر به المقام هنالك، وظهرت نتائج كفاحه المثمرة ابتداء من سنة 409 هـ التي تم فيها صياغة نظام العزابة في صورة مواد قانونية. هذا ملخص سريع لحركته الإجمالية، وَلَعَلَّنا نساعد القارئ الكريم في تكوين صورة عامة عنه باللقطات الآتية التي تجعلها بين يديه، وهي تكمل بعضها البعض لتعطي صورة متناسقة لذلك الرجل العظيم. كان الإباضية في المغرب الإسلامي كسائر فرق الأُمَّة، يعنون عناية فائقة بقضيَّة الحكم، ويعتقدون أن المجتمع لا يقوم على الإسلام، بدونه ويعملون بجهد على إرجاعه إلى ما
من