الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٩٣

الإباضية في موكب التاريخ

129

الإباضية في الجزائر كان عليه في عهوده الزاهرة من النَّزَاهَة والاستقامة والعدل ويطالبون الدول القائمة بذلك .. وحاولوا هم أن يقوموا بهذا الدور للأمة المسلمة، وقد ضربوا في ذلك أمثله رائعة حفظها لهم التاريخ ويمتد هذا الطور من دخول الإباضية إلى المغرب الإسلامي إلى نهاية انقراض الدولة الرستمية أو بعدها بقليل.

بعد انقراض الرستُميَّة انصرف الإباضيَّة عن الاهتمام بقضيَّة الحكم، ورئاسة الدولة، ومظهر السلطة العلنية إلى الاهتمام بالمجتمع، ومحاولة حمله على السير في المنهج الإسلامي في شئون الفرد وشئون الجماعة دون أن يتعرضوا لقضيَّة الدولة، ومن يتولى الحكم على أن موقفهم هذا لَم يخل من تطلعات في كثير من الأحيان إلى إقامة دولة، وكثيراً ما تطرح اقتراحات بهذا الشأن على بعض الشخصيات التي تلتف حولها الجماهير. فلما جاء الإمام أبو عبد الله الفرسطائي أعرض عن التفكير في قضية الحكم وتكوين الدولة. وقرر نظامه الذي اعتبر أحسن بديل عن قيام دولة عادلة وكان هذا النظام فتولى جميع الشؤون وكل القضايا حسب حكم الله ما عدا الأحكام الخاصة بالإمام كإقامة الحدود وما شابه ذلك من الأمور التي تتعلق برئيس دولة قائمة. قرر أبو عبد الله هذا الاتجاه، واتَّخذ له قواعد وأسسا ودعا الناس إلى السير عليه، ونفذه في حياته، ودرس عليه تلاميذه الذين يبلغون المئات من جميع الجهات، والذين كانوا يكونون، فرقا من الشباب المؤمن الحريص عَلَى طاعة الله المتفاني في خدمة الدعوة، وكان أولئك الشباب يتسابقون إلى تنفيذ أوامر الشيخ وتلبية طلباته والقيام بأمره، ويقومون معه بإبطال المنكر حتّى بالقوة إذا عرف أن ذلك لا يؤدي إلى فتنة تضر بالمسلمين. ولقد أوتي أبو عبد الله الصفات ما يؤهله لأن يبلغ أعظم منزلة في نفوس الناس، ولو أنجه انجاها سياسيا، ودعا الناس إلى بيعته لأجمعوا عليه، وكان خليقا أن يفوز.

من

ولكن الرجل كان يبتعد عن مظاهر السلطة وينأى عما يجر إلى سفك الدماء، ويتحاشى

العظمة الزائفة التي يتهارش عليها طلاب الدنيا، ويتهالكون عليها حتّى يهلكوا في سبيلها. كان يعمل في اتجاه مضاد لتلك المظاهر، ويدعو الناس إلى المحبة والتعاون ويجمع قلوبهم على عبادة الله والخضوع له وحده، والالتجاء إليه فيما دق وجل من الأمور، وإرجاع جميع