الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٩٤

الإباضية في موكب التاريخ

130

الإباضية في الجزائر

الشؤون إلى كتاب الله الكريم، أو سنة رسوله العظيم عليه أزكى الصلاة وأفضل التسليم .. أو إلى سيرة المهتدين من خيار المسلمين في خير القرون.

-1 - كان الْمَعيًّا حاد، الذكاء، يفهم الخاطرة، ويدرك اللمحة العابرة، ويصل إلى المعنى

الباعث على حركة، ويتغلغل إلى ما يختلج في أعماق النفوس من مُحدثيه. قال أبو الربيع: كنت عنده يوما فقدَّم بسرًا (1) لعمال يعملون عنده، قال: "كُل معهم يا سليمان فامتنعت". قال: "كُل فإن من يطاوع مشكور الحال .. "، فأردت أن أقول: "ولو فيما لا ينبغي؟ " فأمسكت فاطلع على ما كتمت، وكشف عما عنه سترت. قال: "يا سليمان، ذلك ليس بمطاوع، فنطق به قبل أن أظهره له .. إن الاختلاجة اليسيرة التي اختلجها أبو الربيع حين هم أن يتكلم ثُمَّ سكت فهمها أبو عبد الله وأوضحها بنفس العبارة التي كانت تتردد في ذهن التلميذ النجيب.

2 - كان يهتم بكُلِّ شأن من شؤون المسلمين يرعى التلاميذ ويتولى الإنفاق عليهم، ويرعى المجتمع ويتولى توجيهه وإرشاده ويرعى الفقير ويسد عليه فقره وعوزه، ويرعى الغائب في أهله حتى يؤوب، ويرعى الأرملة واليتيم .. وقد كانت جميع أمور الناس ومشاكلهم تلقى عليه فكانت تجد الحلول السليمة، والأحكام الشرعية الصحيحة، والإجراءات التنفيذية السريعة ..

ولِهَذِه الميزات وثق به الناس فألقوا إليه مقاليد أمورهم، ترفع إليه المشاكل للحل، وتجمع عنده الأموال للإنفاق في سبيل الخير والمنفعة، ويتجمع لديه الشباب للتعلم والتدرب على العمل جاءته امرأة تذكر له أنها من حيث المال والنفقة في نعمة ورغد تحمد الله عليهما، ولكن زوجها قد سافر إلى ليبيا وأطال الإقامة هناك عدة سنوات، وقد أصابها ما يصيب مثلها من الضرر، وكان على زوجها أن يأخذها معه أو أن يعود إليها بعد غياب معقول، ولو في فترات متقطعة، أو أن يطلقها .. واستمع الشيخ الكبير إلى شكوى المرأة ورأى ما فيها من الْحَقِّ، وأدرك الحالة النفسية لهذه المرأة المحرومة فوعدها خيرًا، وفي نفس الوقت دعا إليه شابين من خيرة طلابه، وأمرهما بالسفر إلى مقر الزوج وحل المشكلة عَلَى أحد الوجوه الثلاثة السابقة …

1) البسر: البلح بعد أن يصفر وقبل أن يصير رطبا.