الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩٥الإباضية في موكب التاريخ
131
الإباضية في الجزائر
وسافر الشابان حتَّى لحقا بالرجل في مقره ليبيا وعرضا عليه حكم أبي عبد الله فاستجاب الرجل للحق، وانحلت المشكلة التي كانت تعاني منها امرأة بائسة أضرَّ بها تهاون الزوج وحرمها إهماله استقرار النفس وطمأنينة الحياة.
3 - كان يهتم لِكُلِّ ما يعرض من دقائق الأمور وجلائلها، فيتولى الحكم فيها بفهم نير لحكم الإسلام من جهة، ودراسية نيرة للنفس البشرية من جهة أخرى. اقترض ينكول بن عيسى - وهو عالم مؤمن غزير العلم قوي الإيمان؛ ولكنه كان مقلا كأكثر العلماء في مختلف العصور - مبلغًا من المال من أحد الناس وتوفي قبل أن يتمكن من تسديد الدين، واجتمع المشائخ لشأن من الشؤون وكان في الاجتماع صاحب الدين على ينكول، فتذاكر القوم الفراغ الذي تركه ذلك العلم العظيم؛ فقال صاحب الدين: "إن لي عليه دينا، وقد مات ولم يوفه فضاع مالي". قال داود بن يوسف: "على تخليص دين ينكول"؛ فقال سعيد بن إبراهيم: "بل" عليَّ قضاء دينه. فقال مُحَمَّد بن الخير: "أنا أوسع الجميع مالا وأولى بقضاء دين ينكول". فَلَمَّا رأى صاحب الدين حرص الجماعة على دفع ذلك الدين أدرك مقام الرجل، وعرف ما في مساعدته من خير وأجر، فقال: "لقد تركت مالي على ينكول"، واستمسك كُلّ واحد بموقفه وأصر عليه، وأخيرًا عرضوا القضيَّة عَلَى أبي عبد الله؛ فقسم أبو عبد الله الدين على خمسة أقسام، وطلب من كُلّ واحد منهم أن يدفع خمسا إلى صاحب الدين، ودفع أبو عبد الله خمسًا، وترك صاحب الدين خمسا، وهكذا انحلت
معهم
المشكلة باشتراك الجميع بعد أن تشاد فيها ثلاثة من فحول العلماء.
4 - كان رقيقاً حليما محبا للخير، ولكنه مع ذلك كان قوي الشخصية مهابا، وكان لا يسكت عن منكر يراه فكان يعالجه باللين والموعظة الحسنة، وقد يشتد على المخطئ، ويصرح له
بخطئه في مجمع من الناس إذا خاف أن تصل أضرار الخطأ إلى الجماعة حتى يحترس الناس منها. زار "وَاعْلانَت" فوجد بين أهلها تدابرًا وتنازعًا فجمعهم وجعل يتحدث إليهم ليلم الشعث ويجمع الكلمة، وكان في الجماعة رجل من "لواتة" يُسَمَّى "أبد الله (1)،، وكان أبد الله هذا محبي الظهور والزعامة، وكان هو من أسباب الفتنة والخلاف، وكان يرى لنفسه عظمة
من
1) هو تحريف لعبد الله، ويستعمل كثيرا عند بعض القبائل البربرية، كـ "لواتة" و "المطة" في القديم، وحروف الحلق ينوب بعضها عن بعض أحياناً في اللغة البربرية.