الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٩٦

الإباضية في موكب التاريخ

132

الإباضية في الجزائر

وفضلا، فراجع أبا عبد الله الفرسطائي في بعض حديثة دون أن يسأله الإمام فالتفت إليه الإمام في شدة المؤمن وقوته في الْحَقِّ، وقال له: «يا أَبْدَ الله، ليس واحد أفضل من جماعة إلا رسول الله .. اعلم يا أبد الله، أن من يتكلم وقد احتيج إلى كلامه فقد ابتلي ببلية، ومن يتكلم ولم يُحتج إلى كلامه فقد ابتلي ببليتين»، ثُمَّ استرسل في توبيخه وتقريعه، وبيان فضل الاتحاد والتعاون والذوبان في مصلحة الجماعة حتى صار الرجل عبرة، وبعد أن كان ينزع مترع الظهور والزعامة أصبح ينزع مترع الاستخفاء والاستتار واتحد الصف واتحدت الكلمة. ه عندما يتمكن الانجراف بقوم ولا تجدي فيهم وسائل الوعظ والإرشاد والتوجيه فإنه معهم موقفاً أقسى عليهم من ذلك.

يتخذ

-

ومسموعي

كانت قبيلة "بني ورماز" إحدى القبائل الضاربة حول "أريغ" قد انحرفت بسلوكها عن المنهج السوي للمسلمين، فكانت تشتغل بالغارة، وتقطع الطريق عن المسافرين وتبتز الأموال بالعنف والقوة من المسالمين، إلى غير ذلك من أنواع الفساد الذي اعتادته بعض القبائل التي لم يتمكن الإيمان من قلوبها؛ فجمع الإمام أبو عبد الله أهل "أريغ" وحدثهم في الموضوع، وعرض ما يرتكبه أولئك الجفاة المفسدون، وشرح لهم ما يقاسيه المسافرون؛ فقام إليه أحد كبار "أريغ" الكلمة فيهم فقال: "وما نقدر عليه نحن؟ " فغضب الإمام لهذا الضعف المستخذي، وقال له: «إذا لَمْ تقدروا أنتم على الضرب عَلَى أيدي هؤلاء المعتدين المفسدين، فإننا نحن نقدر على أنفسنا». ومن الغد ارتحل بأهله وتلاميذه ونزل "إيفران (1) في ضواحي "وار خلان"، وتمادى بنو "ورماز" في الفساد من قطع الطريق وسلب المارة ففسدت أحوال "أريخ" وهجرها الناس لما يلحقهم من بنو "ورماز" هؤلاء من الأذى، وانتقد أهل "أريغ" ما كان يملأ مساجدهم ومجتمعاتهم من دروس العلم والوعظ وما يقوم به أولئك المؤمنون من أنواع العبادة أطراف الليل والنهار، وغابت عنهم أفواج الطلبة الذين كانوا يغدون ويروحون ومدارسهم وأمكنة إقامتهم، وهكذا تغيّرت عليهم الأحوال ماديًا وأدبيا فلا أسواقهم بقيت عامرة، ولا مساجدهم ومدارسهم كما كانت واجتمعوا ودرسوا الموضوع، وعلموا أن ما أصابهم كان لسبب خلافهم لأبي عبد الله وهجرانه لهم، فقرروا أن يبعثوا إليه

الله

(1) لا تزال إلى اليوم بهذا الاسم، تبعد عن وارجلان ما يقرب 45 كلم، من جهة "نقوسة". (المراجع).