الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٩٧الإباضية في موكب التاريخ
133
الإباضية في الجزائر
وفدا يدعوه للرجوع، وتكون الوفد فعلا وذهب إلى عبد الله، فَلَمَّا اجتمع الوفد بالإمام رأى أن يجرب معه الجانب المادي لعله يأتي بنتيجة فقال له قائلهم: "إن ضيعتك قد أقبلت غلتها، وهي في هذه السنة أجود منها في جميع السنوات السابقة، ومن الخسارة أن تتركها ولا ترجع إليها في هذا الموسم الجني. فأشار أبو عبد الله إلى شجرة أمامهم وقال لهم: "إن ضيعتني بالوصف الذي تذكرونه هي وهذه (الزيتا) (1) عندي سواء"، إنَّني أصبحت بينكم في حالة لا يرضاها الحر، يقبل الناس عَليَّ من أطراف الأرض للاستفادة أو التعليم أو الزيادة، فإذا بلغوا نواحي "أريغ" يعدو عليهم المفسدون فيقتلونهم أو يسلبون أموالهم». وعدّ عليهم وقائع كثيرة، فلم يجدوا له جوابا، ورجعوا آسفين إلى بلدهم وقرروا أن يطهروا أرضهم فجدوا في ذلك ونجحوا فلم تمض عليهم سنة حَتَّى أمنت السبل، وساد السلام، وعمرت الطرق، وعرف الداني والقاصي بذلك، وكونوا وفدًا جديدًا يستدعي الإمام، فلبى الدعوة، ورجع إلى مكانه من بلاد "أريغ".
الفساد،
6 - كان من أحرص الناس على الاتحاد والتضامن والتعاون، وكان أكره ما يكره الفرقة والشقاق، وكان يمقت الأشخاص الذين يسعون إلى الخلاف أو يتسببون فيه، وكانت دروسه في الوعظ والإرشاد تنصب على هذا الجانب، ويضرب الأمثلة العديدة من واقع الحياة في البلاد التي يعيش فيها ومما كان يقوله في هذا الباب: "مثل الجماعة كالخشبة المتينة المتماسكة، ومثل الفر الذي يستغني برأيه ويدعوه إلى الفرقة والخلاف كمثل الوتد الذي يضرب في الخشبة". فتفريق الجماعة يكون بسببه؛ وذلك أنه إذا استبد برأيه في أمر تبتغى فيه المفاوضة، فإنه يكون حريا أن يخطئ، فإذا أخطأ فلا بد من اجتماع الجماعة للنظر في أمره، فإذا أخذوا في الكلام لم يعدموا من يقوم مغضبا للمخطئ يدافع عنه، فيكون مخطئًا مثله، ويكون بمثابة الوتد الثاني الذي يدق لشق الخشبة، فإذا أرادوا أن يتكلموا عن الوتد الثاني لَمْ يعدموا شخصاً ثالا يدافع عنه، فيكون هذا الثالث بمثابة الوتد الثالث الذي يدق في شق الخشبة، وحينئذ تتفرق الجماعة، ألا ترى
(1) الزيتا: نوع من أنواع الشجر لا هم له، ينبت في السباخ والمياه المالحة، ولا تأكله الحيوانات، وليس له خشب يصلح للوقود أو غيره.