الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٩٨

الإباضية في موكب التاريخ

134

الإباضية في الجزائر

أن الخشبة بعد الوتد الثالث تصير اثنتين فلا ينبغي للمسلم أن يستأثر برأيه فقد ورد عن رسول الله أَنه قال: «مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ ضَلَّ، وَمَنْ هَجَمَ عَلَى الْأُمُورِ عَطَب» (1).

كان كثيرا ما يعالج ما يحدث للجماعة من الخصومات والشقاق بالوعظ، والإرشاد، وضرب الأمثال. وقد يقسو عليهم في أمثلتهم ومن ذلك قوله: "أهل زماننا كالتيوس إن اجتمعوا تناطحوا، وإن افترقوا تصايحوا. وكان يقول: "قطيعة الرحم كبتر عضو من الجسد، لا يربط، ولا يخاط ولا يناط. وكان يقول: أهل زماننا كالأرض السبخة، إن ابتلت أزلقت، وإن يبست خدشت".

-- كان يتأنى في أحكامه ولا يتعجل، وَلَعَلّ أحسن مثل لذلك هذه القصة، التي يقصها ويرويها الدرجيني، قال: «خرجنا في حلقة زائرين أهل الدعوة فما صرنا في بعض بلاد الساحل، خرج أهل المنزل فتلقونا وأدخلونا، وأحسنوا نزلنا، ودخل معنا رجل ممن كنت أعرفه من تلامذة شيوخي وممن قرأ معي، وإذا هو قد لبس كساء حشيما، وفي رجله قرق (2) قلعي، وعلى رأسه شاشية حمراء، وفي يده مزراق يرفعه ويضعه فأدخلونا المنزل، وقد عزمت على هجران صاحبنا المذكور، ثُمَّ إن الرجل دخل بيننا، وأدخل معنا رجالا من أعوان الجبابرة، فازددت عليه حنقا، وتضاعف غضي عليه، فأكلنا طعامًا إلى آخره، وفرغت القصعة، وجعل الفوار يتصاعد من قعرها، ولم أر قبلها قصعة تفور بعد فراغ الطعام منها؛ وذلك لشره الأعوان، وشدة أكلهم وقلة أدبهم، وكان ذلك مما زادني حنقاً وقوى عزمي عَلَى هجرانه، إلا أنه كان من لطف الله أن حبست نفسي، ولم أعجل عليه. قال: فبعد انصرافهم أدخلنا بينا آخر ليس فيه إلا العزابة، وأحضر طعامًا حفيلاً، وقال: "كلوا فلعلنا نؤدي بعض حقوق الإسلام وأهله، ويكفيهم ما تعلق بنا من طعام كنا نأكله من أموال أهل الدعوة في حرمة هذا الإسلام". ثُمَّ قال: "ما دعانا إلى ما ترون من مؤاكلتكم غير الجنس إلا المداراة عليكم، قال: فانْحل بعض ما اعتقدت، ثم دعونا وانفصلنا إلى المسجد، فَلَمَّا كان وقت صلاة الأولى إذا بالرجل قد جاء فطلع وأذن، فانحل بعض

(1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.

(2) الفرق: هو القاع الأملس. انظر: مقاييس اللغة، (قرق).