الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٠٢

الإباضية في موكب التاريخ

138

الإباضية في الجزائر

أحسب أن الخطوط السابقة كافية لرسم صورة باهتة لهذا الإمام العظيم، ولعل تلك الصورة لا تتم إلا إذا أشرنا إلى الميدان الحقيقي الذي عاش للكفاح فيه طوال حياته، لا يمل، ولا يفتر، ولا يتوقف، إنَّه ميدان التربية والتعليم، ومنهاجه في ذلك، وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دراسة متوسعة وكتب مفردة؛ لأن في ذلك المنهاج إقرارًا لكثير من الآراء التربوية التي نعتقد أنها حديثة، وأنها آتية من الغرب، وذلك كحالة توحيد اللباس والتربية العملية، والرحلات المدرسية، واشتراك الطلاب في إدارة المدارس وغير ذلك من الآراء التي يفتخـ

أَمَّا

الناس بها اليوم، وَلَعَلَّ بعض شبابنا المتعلم يهتم بذلك، ويقدم فيه الدراسة الكافية. مدرسته في فترته الأخيرة فقد كانت تمثل المرحلة الجامعية، وقد كان النظام يفرض على الطلاب أن يلتحقوا أوَّل ما يلتحقون بالدراسة بمدرسة أبي يعقوب مُحَمَّد بن بدر، فيعلمهم القراءة والكتابة والآداب النفسية والسير وهذا يمثل المرحلة الابتدائية في نظامنا الحديث، ومنها ينتقلون إلى مدرسة الشيخ مُحَمَّد بن سدرين، فيدرسون عنده علوم اللسان من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وأصول وعلوم الشريعة، وتمثل هذه المرحلة المراحل المتوسطة من مراحل تعليمنا الحاضر، ثُمَّ يلتحقون بمدرسة أبي عبد الله، فيتخصصون في المباحث العلمية، ومنها يتخرجون؛ إما إلى التدريس، أو العمل في ميادين الحياة العلمية المختلفة بعد التخرج مباشرة، ومنهم من يوجه إلى قيادة الناس بالتوجيه والإرشاد وتمثل هذه المرحلة المرحلة الجامعية في نظامنا الحالي، وقد يستمر بعضهم في المجال العلمي دارسة وتأليفا.

ولد أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر الفرسطائي كما قلت سابقا - في "فُرسُطَاء"، وعاش حياة مليئة بالعلم والعمل، وبلغ من قلوب الناس منزلة لَمْ يبلغها أحد بعده، ولا يزال مضرب المثل في كُلِّ شأن من شؤون المجتمع والحياة، ولو لَمْ يعمل شيئًا غير نظام العزابة الذي كان عند الإباضية في المغرب بديلا لنظام الإمامة، فيه جميع مزاياها، وليس فيه أخطارها لكان عملاً كافيا، وتوفي رحمة الله سنة (440) من الهجرة النبوية في مدينة "آجلو" التي كانت تعرف

بمدينة الصالحين، ولا يزال قبره معروفًا إلى اليوم، يزوره الناس للعبرة والذكرى.

RO