الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٠٣

الإباضية في موكب التاريخ

139

الإباضية في الجزائر

أبو محمد ماكسن بن الخير)

ولد في عاصمة الدولة الصنهاجية من البلاد التونسية بعد وفاة أبيه بشهور قليلة، وأصيب في صغره - وهو ابن سبعة أعوام فكف بصره، وكانت أسرته أسرة فقيرة مقلة، وإن كانت

متألمة

تعيش في كرامة المؤمنين وعزة أنفسهم .. كانت أم ماكسن عندما أصيب ولدها ببصره. أشد الألم، حائرة لا تعرف ما تصنع لتردّ على ولدها الحبيب بصره، وكانت لا تفتأ تسأل الناس علها تجد دواء يردّ البصر على من فقده، ولَكنَّها لم تجد .. وذهبت يوما إلى بيت المعز بن باديس سلطان أفريقيا، وكانت تربطها بزوجة أم يوسف أواصر صداقة قديمة، وعلاقات وثيقة منذ الصغر .. وذهب الولد الأعمى بصحبة، أمه، وحينما كانت المرأتان تثرثران في مختلف الشؤون كعادة النساء دائما كان الصبي الصغير تارة يتسمع إليها، وتارة يلعب بما يجده بين يديه من إناء أو أداة، وكانت أم يوسف لا تنفك تنظر إليه وتتأمله فأعجبت بخفة روحه، ولباقته وذكائه، وحسن تصرفه في لعبه، واقترحت عَلَى أُمِّه أن تأخذه إلى الكتاب فإِنَّه جدير أن يكون له في المستقبل شأن.

ورجعت أم ماكسن بولدها ثُمَّ أخذته إلى مدرسة المدينة أو كتابها، فحفظ القرآن الكريم في وقت قصير، وكان لذكائه وحدة ذهنه لا يسمع شيئًا إلا فهمه وحفظه .. وحين ضاق الكتاب عن مواهبه سافر إلى "جربة" والتحق بمدرسة أبي مُحَمَّد ويسلان بن أبي صالح، فكان أنجب طلابها، وأذكى من يتلقى العلم فيها، غير أنه كان حاد المزاج، سريع الغضب، لاذع النكتة، حاضر البديهة عنيف الهجوم؛ فكان الطلاب يتضايقون منه، ويودون لو تخلصوا من وجوده، فكانوا يشتكون منه إلى شيخهم أبي مُحَمَّد، ويطلبون منه إبعاده عنهم، وطرده من مدرستهم، أو إرساله إلى مدارس أخرى، ويلحون في ذلك فيستمع الشيخ إليهم في حنان، ويطيب خواطرهم ويهدئ من ثورهم، ثُمَّ لا يفعل شيئًا مع ماكسن ..

يبدو

أن الطلبة قد ملوا من عشرة ماكسن وكلوا من الشكوى إلى أبي مُحَمَّد، فقرروا أن يقفوا من الموضوع موقفًا حازما؛ فذهبوا إلى أستاذهم مَرَّةً أخيرة وقد ملكهم الغضب

(1) من علماء القرن الخامس ذكره الباروني في الطبقة العاشرة.