الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٠٤

الإباضية في موكب التاريخ

140

الإباضية في الجزائر

فتكلموا بنوع من الشدة والحدة، وعرضوا شكواهم على الشيخ، وقابل الشيخ ثورتهم بثورة، وحدتهم بحدة، ثُمَّ أقسم لهم أنه لن يطرد هذا الطالب النجيب الذكي ما دام راغبا في الدراسة فأسقط في أيديهم .. ثُمَّ سألهم ما يشكون منه؟. قالوا: "نشكو منه الخفة"، فقال لهم: "لقد سئل رسول الله: بم تكون الخفّة في المؤمن؟ " فقال لهم: «لغَزَارَة». وقيل لابن عباس: "إنك لخير لولا خصلة فيك". قال: «وما هي؟» قيل: "الخفة .. " قال ابن عباس لناقده: عتبتني بخير الخصال .. ». وهكذا استطاع أبو مُحَمَّد أن يرد طلبته عن شكواهم وأن يقنعهم بأن في موقفهم بعض الخطأ، وأن ما كانوا ينتقدونه على زميلهم لا ينتقد.

وبقي ماكسن في المدرسة واستمر في الدراسة حَتَّى تخرج وأصبح من الأعلام، وكان طول حياته لا ينسى فضل أبي مُحَمَّد ويسلان، وكان لا يفتأ يتحدث في مجالسه قائلاً: "لو سمع أبو مُحَمَّد رجاء الطلاب وطردني من مدرسته لرفعت برأسي، وكنت في غير الْحَقِّ، فضللت وأضللت وهلكت وأهلكت، وهو بهذا يعترف بما في طبعه من الحدة والأنفة والاعتداد بالنفس، ولعل أغلب العميان كذلك.

كان أبو الربيع سليمان بن يخلف من الطلاب الصغار الذين يحضرون حلقة أبي مُحَمَّد ويسلان، وكان أبو الربيع من أطيب الناس، نفسا، وأسهلهم خلقا، وأرضاهم خليقة، وألينهم عريكة، وأدومهم صحبة وأحسنهم عشرة، وأصبرهم عَلَى الأذى؛ فاتخذ من ماكسن رفيقا معه الدروس، ويقرأ له الكتب، ويحضر له ما بعده من تمارين،

وصديقا وأخا، يطالع ويساعده في حل المسائل، والرجوع إلى المصادر.

قال أبو العباس الدرجيني: ولا جرم أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف كان مفتاح باب الخير عليه؛ لأنه كان مُحاضره، فكان ينشطه ويدربه ويحرضه ويقرأ عليه الكتب .. فإذا قرأ بابا رددا معًا، مسائله وهكذا كانت عادتهما، وكان كُلّ واحد منهما برا بالآخر حقيًّا به. كان أبو الربيع كما ذكرنا- لا يألوا جهدا فيما ينفع به صاحبه، فلا يعرف له طريق

1) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.