الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٠٥الإباضية في موكب التاريخ
141
الإباضية في الجزائر
مصلحة إلا تحراه، وكان ماكسن على نحو ذلك فيما له عليه قدرة .. حتى أن ماكسن يدعوه بالخؤلة مع كونه دونه، وهذه الدعوة؛ لأن أم ماكسن مزاتية من قوم أبي الربيع .. واستمرت الزمالة والصداقة بين الشابين الذكيين وطالت وإن كانت لا تخلو من لحظات يقع فيها ما يقع عادة بين الإخوة والأصدقاء، من حدة النقاش، وبوادر الغضب والاستياء، لا تلبث أن تزول آثارها.
الله
كانا يوما يتذاكران بابا من أبواب المعرفة في كتاب فقهي، واختلفت وجهتا النظر منهما في فهم المسألة، وتمسك كُلّ منهما بفهمه وتعصب له ودافع عن رأيه بحرارة، وطال بينهما النقاش، واحتد حَتَّى انفصلا شبه، متخاصمين وحضرت الصلاة وكان ماكسن إذا أراد الصلاة نزع ثيابه ولبس ثياب أبي الربيع؛ لأنه يتيقن طهارتها بصورة أقوى؛ ولأنه لا يأمن أن يلحق ثيابه نجس دون أن يشعر به لعدم الرؤية؛ فلكي يبعد عن نفسه هذا الاحتمال أو هذا الوسواس كان يصلي في ثياب أبي الربيع، فَلَمَّا حضرت الصلاة ذلك اليوم هم أن يصلي في ثيابه خوفا أن يكون أبي الربيع قد وجد عليه .. فصاح به أبو الربيع وطلب منه أن يلبس الثياب التي كان يلبسها حين الصلاة، وقال له: "صل بها عافاك الله، فإِنَّه لَمْ يقع في قلبي شيء بسبب نقاشنا، ولبس ماكسن ثوب أبي الربيع وصلى به وكان وقوفه بين يدي ومناجاته له كفيلاً بمسح آثار الحدة من نفسه، وملء قلبه بالخلق الإسلامي المرضي. بقي ماكسن في "جربة" بعد أن ارتحل إليها من "القَيْرَوَان" حَتَّى أصبح علما يشار إليه، ثُمَّ ارتحل إلى وارجلان وكانت في ذلك الحين في أيام عزها وازدهارها فرحب به أهلها، وأحلوه في مقام كريم، ولقي حفاوة من رجال العلم وإقبالا من الطلاب، وإكراما من جميع الناس .. ومنها ذهب إلى الحج، فزار مهد الإسلام وتشرف بالسير في أكرم بقعة، وأدى الركن الخامس من أركان الإسلام، وشهد البقاع التي كان يترل فيها الوحي على رسول الله ثُمَّ رجع فمر هو وجمع من رفاقه عَلَى جزيرة جربة" يؤدي حق الزيارة لتلك المرابع التي اغترف منها العلم، وكانت له فيها ذكريات في الشباب، ثُمَّ عاد إلى "وارجان" فاستقر وتزوج وأنجب وكان مرجعا من مراجع العلم، وشخصية من الشخصيات المرموقة في المجتمع التي علا لها ذكر وشأن عند البعيد والقريب والموافق والمخالف.