الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٠٦الإباضية في موكب التاريخ
142
الإباضية في الجزائر
عندما جاء ماكسن إلى "وار جلان" وجد هنالك فيمن وجد العلامة أبا موسى عيسى - بن أبي الحجاج، وكان في المرتبة العليا متانة دين وغزارة علم، وسمو أخلاق، فاتخذ منه ماكسن آبا وشيخا وأخا وصديقا.
وهنأت الحياة لماكسن وأبنائه في "وار خلان"، حتَّى ورد إليها أبو العز ابن داود، وهو شخصية مرموقة محبوبة من "آجلو" جاء يتفقد إخوانه، فَلَمَّا عرف ما عليه حالة ماكسن جلس إليه وتحدث طويلا، وعرف أن الشيخ قد استقر، وأنه رضي بنوع الحياة التي يعيش فيها، وكان ماكسن كما قد عرف القارئ ذكيا المعيا حساسًا، وكان يستمع إلى أبي العز في كُلّ ما يقوله متأثراً به، فقال أبو العز: إنك يا ماكسن في رغد من العيش بما يضفيه عليك أهل وار جلان" الكرام، وإذا أقمت عَلَى هَذه الطريقة من الحياة يأكل أولادك تحف أهل الدعوة، فإنك إن مت اقتسموا ريح الصبا".
وعملت هذه العبارة اللاذعة عملها في نفس ماكسن، وفكر في الانتقال إلى "أريغ"، وفزع إلى أستاذه وصديقه أبي موسى يطلب منه الحل؛ لأنه ينوي الرحيل، فدهش العالم الكبير، وقال له: "بل" أطلب الحل من طلبك الحلّ وعزمك عَلَى الرحيل، فقد أدخلت على قلبي روعة يجب أن تطلب بسببها الحل". ثُمَّ قال له: "إنَّني لا آذن لك في الرحيل وأنا حي، فإذا مت و حضرت غسلي وتكفيني ودفني فأنت بعد ذلك في حلّ، إن شئت أقمت، وإن شئت
ارتحلت".
فصبر ماكسن وأقام في "وَارجُلان" حَتَّى توفي أبو موسى وحضر غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ثُمَّ نفذ قراره فانتقل إلى "أريغ". كانت "وار جلان" في ذلك الحين من الثروة والغنى بحيث لا يستطيع أن يمتلك فيها أمثال
أبي مُحَمَّد ماكسن شيئًا، وذلك ما لاحظه أبو العز فإنَّه يعرف أن أهل "وَار خلان" - و على ما هم عليه من غنى وثروة لا يبيعون شيئًا من الأصول، وإذا خطر لأحدهم أن يبيع شيئاً منها باعه بسعر مرتفع ليس في طاقة ماكسن وأضرابه .. ولذلك لا يمكن لماكسن أن يخلف في هذا البلد شيئًا لأولاده، ولذلك نصحه أبو العز بالرحيل، لاسيما وأن "وارجلان"
كانت مشحونة برجال العلم والدين، وأنهم لا يحتاجون إلى ماكسن من هذا الجانب.