الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٠٩

الإباضية في موكب التاريخ

145

الإباضية في الجزائر

وقد ناقش أبو العباس الدرجيني هذه المسائل الثلاثة عَلَى طريقة الفقهاء، وحاول أن يرد على ماكسن فقال: «أَمَّا الأولى فمن الكذب المباح لا في باب القذف، والثانية: ضرورة تعارض فيها حكمان فَلا بُدَّ من أرجحهما، والثالثة: أخذوه في العدة بالحوطة، ونظروا في تسريح المرأة خشية الضرار، وجعلوا التطليق إلى الأولياء بناء عَلَى أَنه لا حكم عَلَى غائب». وواضح أن هذه الأجوبة التي رد بها أبو العباس هي نفس التعاليل الموجودة في كتب الفقه .. ولا شك أن ماكسن قد درسها؛ غير أن تعليلاتها لم تقنع عقل ماكسن المتحرر البحاث، وكانه يقول: لماذا يباح الكذب في وجه ولا يباح في الوجه الآخر من قضيَّة واحدة. ونفس الاستشكال يتوجه على المسألة الثانية فإنَّهم حين أباحوا لإنسان أن يتعرى للطبيب خوف الهلاك، كان عليهم أن يبيحوا له أن يتعرى أمام غيره خوفًا من الهلاك. وفي المسألة الثالثة يبدو أنها لتخفيف الضر عن المرأة إما أن تحكم بموت الزوج وتعتد الزوجة وتخرج، أو لا تثير قضية الوفاة ويطلق ولي الزوج، وتعتد المرأة عدة المطلقة وتخرج أيضا دون أن نربطها بحكمين وفاة وطلاق، وهما شيئان لا يجتمعان أبدا، والموضوع مبسوط في كتب الفقه بأوسع من هذا. لَمْ يترك ماكسن فيما أعرف مؤلفات، ولكن كتب الفقه عند الإباضية لا تكاد تخلو من

أقواله وفتواه. وقد كان الرجل من النشاط والحركة وحسن السيرة في المرتبة الأولى، وحينما كان في "وَارجُلان" وفي "أريغ" كان يشترك في جميع المسائل العامة والخاصة حتَّى أَنه كان يذهب في الوفود هنا وهناك، بل إنَّه عندما يقع عدوان على أهل بلده وتؤخذ منهم أموال، يذهب مع الذاهبين لاسترجاعها، وحينما كان غيره يعتمد عَلَى القوة والشجاعة البدنية، كان هو يعتمد على الحجة والإقناع وحسن التلطف، والحديث، وقد روت كتب التاريخ كثيرا من الأحداث التي اشترك فيها، وخرج إلى غُزاة استاقوا أنعاماً فَلَمَّا بلغهم مع رفاق له، استطاع أن يسترد منهم ما أخذوه بألطف الوسائل، دون أن يحتاج إلى استعمال العنف وإراقة الدماء، وزيادة إذكاء نار العداوة والفتنة بين أهل الحضر وأهل الوبر.