الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩١١الإباضية في موكب التاريخ
147
الإباضية في الجزائر
كان أبو زكرياء الهواري عالما واسع الاطلاع، وكان مُحققا متثبتًا، وكان يتمسك بالأساليب العلمية المعروفة في ذلك الحين، وقد ذكر أن أبا مُحَمَّد عبد الله كان في مسجد "آجلو" يلقي درسا في شرح الحديث النبوي، وقد جلس بين يديه أحد الطلبة يقرأ الأحاديث النبوية الشريفة من مسند أبي صفرة عبد الملك بن صفرة، فكان أبو مُحَمَّد يتجاوز رجال السند ولا يذكرهم إنَّما يعيد الحديث ثُمَّ يتناوله بالشرح والتحليل، حسبما هو معروف من طريق التدريس في المساجد الإسلامية، وكان أبو زكرياء الهواري في ناحية من نواحي المسجد يستمع إلى الدرس فعز عليه أن لا يذكر الشارح أسماء أولئك الأعلام الذين بلغوا إليه رسالة الإسلام؛ فصاح به من مكانه في صوت قوي: "ما لك لا تذكر أئمتك؟ ". وكانت هذه الصيحة القوية المنبعثة من بعض جوانب المسجد في لهجة العتاب المر كافية؛ لأن تحمل أبا مُحَمَّد عَلَى الرجوع إلى الحق، وأصبح بعد ذلك حين يقرأ عليه الطالب حديثا من الأحاديث يعيد هو الآخر السند ذاكرًا رواة الحديث واحدا واحدًا حَتَّى ينتهي إلى رسول الله ..
إن هذه القصة البسيطة تحمل مغزى عظيمًا من أخلاق أولئك العمالقة العظام فهذا عالم يتصدر المجلس للتدريس في مسجد عامر، ينتقده عالم آخر جالس في ركن من المسجد علنًا جهارًا على مسمع الناس وبصرهم، فلا يملك إلا أن يستجيب للنقد ويعمل به، دون أن يثور أو يغضب أو حَتَّى يتألم .. ذلك لأن رائد القوم في ذلك الحين إنَّما هو الْحَقِّ، واتباع الحق، والعمل بالحق، ولا يهمهم الطريق الذي يسلكه أو الأسلوب الذي وصل به. أحسب أن هذه القصة لو وقعت اليوم لنتجت عنها أسوأ الآثار، وأحسب أن أي واحد من أولئك الذين يتصدرون لإلقاء الدروس في المساجد لو ارتفع إليه صوت ناقد من زاوية المسجد يأمره أو ينهاه لنتج عن ذلك مشكلة، ورُبَّما وصلت إلى ساحة القضاء، ولملأ فضيلة الشيخ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، واعتبر النقد عدوانًا وقع عليه، وتشويها لسمعته، ونيلا من كرامته العلمية … وما إلى ذلك ممَّا يتحذلق به أقزام اليوم، ولعل أوسعهم صدرًا من يقول: إن النقد البناء لا يكون أمام الناس ووسط الجماهير، وإنما يجب أن