الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩١٢

الإباضية في موكب التاريخ

148

الإباضية في الجزائر

يصدر في همسة خفيفة، أو قولة لطيفة في خلوة هادئة حسبما تقضيه الآداب العامة، وأساليب التربية الحديثة التي تحذر حَتَّى المدرس أن يجرح عواطف تلميذه الرقيقة، وتلزم

حَتَّى الأب أن يختار الكلمات التي يوجهها إلى ولده الصغير.

كان أبو مُحَمَّد عبد

الله

يشترك مع أبي مُحَمَّد ماكسن في المذاكرة والمطالعة، وكان

ماكسن أكبر سنًا، وأغزر مادة، وأوسع اطلاعا، وأحد ذكاء؛ فكان أبو مُحَمَّد يعتمد عليه ويستعين بفهمه وعندما تعترضهما مشكلة تسعصى عَلَى أفهامهما يقول ماكسن لزميله دعها حَتَّى يأتي صاحب المشكلات أبو زكرياء الهواري.

وكان أبو زكرياء إذا حضر إلى مجلس العلماء والطلبة وجدهم قد ادخروا له من المشاكل العلمية فيلقونها عليه واحدة بعد الأخرى، فيجدون عنده

عددًا

الحل المرضي والجواب الشافي.

وكان أبو زكرياء مع علمه الغزير قويًا في دين الله شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان شجاعاً صريحا عنيفًا. ذكر المؤرخون أن أيوب بن حمو كان يلي أمر الناس من جماعة "تينْوَال"، وأنه انحرف عن السيرة التي كان يحافظ عليها المسلمون فانقسم الناس بسبب ذلك إلى قسمين؛ قسم ينتصر له ويبرر انحرافه وقسم ينتقد ذلك ويعيبه ولكن في تستر وخفاء؛ وَلَمَّا بلغ ذلك أبا زكرياء أمرهم أن يعقدوا اجتماعاً في بعض المساجد ليناقشوا القضية، واجتمع القوم فعلا في مسجد "تَاهَست" وكان أيوب حاضرًا؛ فرأى بعض الطلبة أن يمهد للموضوع بقراءة فصل من كتاب في الوعظ والإرشاد وأخبار الماضين ريثما يحضر أبو زكرياء، وَلَمَّا حضر وجد الطالب يقرأ قصة أحد الزهاد في زمن سيدنا موسى ال، فصاح به أبو زكرياء: "دعونا من البله الذين تمتلئ بهم الْجَنَّة، وهيا بنا إلى من يثقب الخرزة بذكائه". يعني: أيوب بن حمو، واتجهت الأنظار إليه وإلى أيوب ولم يزل به يلقي عليه زواجر الوعظ والإرشاد، ويوجه إليه قوارع اللوم والتوبيخ ويحمله مسؤوليته ومسؤولية أتباعه من جماعة "تينْوَال" حَتَّى استجاب أيوب للحق، وتاب واستقام وأعلن أنه سيحافظ على النهج القويم والسيرة الطيبة، وبذلك رجع القوم إلى بعضهم وقاموا من المسجد وهم يد واحدة.