الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩١٧

الإباضية في موكب التاريخ

153

الإباضية في الجزائر

عزموا عليه أردت الخروج في خفية، فخرجت في الهاجرة ولم يشعر بي أحد إلا وأنا البلد، فوصلت "تنوال" سالما، والحمد الله رَبِّ العالمين".

خارج

كان بعض أهل قلعة " حَمَّاد" كما قلنا سابقا - على المذهب المالكي، والبعض الآخر على المذهب النكاري، وكان التعصب والخلاف بينهم على أشده؛ فَلَمَّا دخل أبو مُحَمَّد إلى تلك المدينة كانت طبيعة عمله تقتضي أن لا يسخط عليه أحد الفريقين، ولذلك فقد كان يقف منهما مواقف يحاول أن تحوز رضاهم جميعًا، ويقص علينا هو نفسه بعض أخباره في القلعة فيقول:

له

«وكان في القلعة حينئذ رجل من أهلها يعرف بمُحَمَّد بن عصمة متفقه مدرس عليم حلقة، فكنت أحضر مجلسه وأعود من جملة أهل، الحلقة، فحضرنا عنده يوما فقال لابن صغير: سمعت أن غنما لبني "يَنجَاسَن" دخلت السوق، وما ضرنا أن نجتنب الشراء من السوق ثلاثة أَيَّام، ثُمَّ لا حرج بعدها في الشراء. قال أبو مُحَمَّد: فأعجبني ما قاله». وقد كان جلوس أبي مُحَمَّد إلى ذلك الفقيه الورع واستماعه إلى دروسه ومواظبته عليها مبعث ارتياح عند المالكية من سكان القلعة عموما. وكان ذات يوم في جمع من أصدقائه الطلبة يتحدثون فمر بهم أحد معارفه من النكار فسلم عليه فرد أبو مُحَمَّد السلام؛ فَلَمَّا انصرف النكاري عتب عليه أصدقاؤه، ويقص علينا هو نفسه القصة فيقول: « … فلقيني الرجل النكارى فسلم علي فرددت السلام؛ فلما انصرف، قالوا لي: مالك تسلم عَلَى مثل هذا؟ فقلت لهم: مالكم أنتم تسلمون على اليهود وهم مشركون ولا أسلم أنا عَلَى رجل من أمَّة مُحَمَّد، فأفحمتهم ولم يجدوا

جوابا».

لقد كان أبو مُحَمَّد عالمًا أديبا، وكان واسع الاطلاع غزير المادة، حاضر الشواهد، لا يجري الحديث في شجن من شجون الحياة إلا أنشد عليه شاهدا من شواهد الأدب العربي، ودلائل مختارة من الشعر مر عليه جماعة من المشائخ والطلبة فوجدوه يشتغل بيده لنفسه، فعاتبوه وتَمنّوا أنَّه لو ترك ذلك إلى غيره من خادم أو ولد، فأنشد لهم قول

الشاعر: