الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩١٩الإباضية في موكب التاريخ
100
الإباضية في الجزائر
قال أبو الربيع قعدت أنا وأبو مُحَمَّد عَلَى طريق فمرت بنا امرأة فالتفتت إليها، فقال لي: لا يجوز قعود عَلَى صعدات الطريق إلا لمن أدى حقها. قلت: "وما حقها؟! " قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما حقه؟» قال: «إِغَاثَةُ الْمَلَهُوفِ، وَهِدَايَةُ الأَعْمَى، وَغَضُ الطَّرفِ عَنِ الْحُرُمَاتِ، وَإِمَاطَةُ الأَذَى» (1)».
وكان عالما بالتفسير، وبآراء المفسرين، قال أبو الربيع: تحدثت مع أبي مُحَمَّد حَتَّى ذكر أولاده ونظر في أمرهم، فهونت عليه وقلت له: إنَّهم ذكران رجال فلا يهمك أمرهم". فقال: "لا تقل هذا القول فإن على الأب أن يعين ولده على إبراره، وقد قال بعض المفسرين في الذين سَمَّاهم الله أبرارًا، إِنَّمَا سَمَّاهم كذلك؛ لأنَّهم برُّوا الآباء وبروا الأبناء فاستحقوا أن يسمُّوا أبرارًا".
كان خطيبا فصيحا عارفًا بمواقع الكلام، قام جماعة "قصطيلية" يريدون زيارة إخوانهم فتلقاهم أبو مُحَمَّد قريبا من منزله، وقال لهم بعد التحية والترحيب: «كان ينبغي أن نتلقاكم في "سوف"، وَإِلا ففي "وَاغْلانت"، ولكن الزمن غير مساعد، وقال: «لا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ فَصَدَقَت وَإِذَا حَكَمَتْ فَعَدَلَت وَإِذَا اسْتَرْحِمَت فَرَحِمَت» (2)، جعل الله مجيئكم مجيء أبي مودود إلى حضرموت»؛ فقام هذا الكلام عندهم أشرف مقام. وَلَعَلِّ الصورة التي أريد أن أعرضها للقارئ الكريم لا تَتِمُّ إلا إذا نقلت له ما يلي عن العباس الشماخي: «ولأبي مُحَمَّد في الأدب كلام كثير، وفي المواعظ والأمثال والتحذير والوصية والأجوبة، فمن أرادها فعليه بالطبقات وكتاب أبي الربيع وغيرها، ولأبي زكرياء مكاتبات بمسائل يطلب جوابها فأجابه فيها وتقدم بعض ذلك، ومات عام ثمانية وعشرين وخمسمائة وهو ابن ست وتسعين سنة». وقد أورد له الدرجيني رسالة
قيمة في ثلاث صفحات تشتمل على حكم قيمة، ونصائح غالية، ومواعظه حسنة.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، رقم: 2121.
وأخرجه أحمد والطبراني.
) لم نجد من خرجه بهذا اللفظ.
•