الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٢٠

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

أبو عمار عبد الكافي)

أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي نادرة من نوادر الزمان في الذكاء والفهم والحفظ والرغبة في العلم، نشأ في "وَار جلان"، ودرس عَلَى مشائخها فنون علوم الشريعة واللغة حَتَّى أجازوه، ثُمَّ رأى أن يسافر إلى تونس ليزداد علما في فروع أخرى المعرفة، وكانت تونس في ذلك الحين قصبة القصاد ومعدن العلم والمعرفة، ومقر فطاحل العلماء والأعلام؛ فاختار أبو عمار من بينهم من أعجبته طريقته في التدريس، وأنس إلى أسلوبه في التعليم والمعاملة فالتزم مجلسه.

اتفق مع

كان أبو عمار من أسرة غنية موسع عليها في الرزق الحلال، فَلَمَّا أراد السفر إلى تونس أسرته أن يبعثوا إليه ألف دينار كُلّ سنة لمصاريفه وما يحتاج إليه من كتب وأدوات دراسية وإكراميات للمدرسين؛ فكان يأتيه المبلغ كُلّ سنة مع الرسالة فيحتفظ بالرسالة في مكان دون أن يقرأها ويقسم الألف نصفين: نصف يسلمه لأساتذته، ونصف يحتفظ به لمصاريفه وحاجياته. واستمرَّ عَلَى هَذه الطريقة حَتَّى بلغ من العلم درجة تؤهله لأن يكون من كبار العلماء، فأذن له أساتذته أن يستقل عنهم، وأجازوه للفتوى والتدريس .. وهنا فكر في الرجوع إلى وطنه، وبدأ يستعد لذلك، وتذكر الرسائل المحفوظة فاستخرجها من مكانها مرتبة وبدأ يقرؤها واحدة بعد الأخرى؛ فوجد في كُلّ واحدة منها أخبارًا كانت حريَّة أن تشغل ذهنه أيَّام التحصيل والكفاح لو أنه اطلع عليها، بل كان فيها ما هو جدير أن يحمله على قطع الدراسة؛ وَلَكنَّه تلافى ذلك بعدم الاطلاع على الرسائل .. وعلم من بعض تلك الرسائل أن والدته قد لحقت بربها، وكذلك والده أحدهما بعد الآخر. وبعد أن صفى أحواله من تونس عاد إلى "وَارجُلان" ليؤدي الرسالة المقدسة؛ رسالة كُلّ عالم مؤمن يحرص أن يعمل الله ويجاهد في سبيله.

1 من أئمة القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة.