الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٢٥

الإباضية في موكب التاريخ

161

الإباضية في الجزائر

هو فيها شيوخه ومعاصريه إلا بعضا من كل واستغنى فيها عن كثير من العدد، و فيمن سمى كفاية». وبعد أسطر يقول: «وها هنا وجب أن نذكر جماعة من الأشياخ الذين أخذوا عن الجماعة التي انتهى إليها ترتيب الشيخ أبي عمار».

كان الدرجيني حين ألف كتابه "الطبقات" حسبه تتمة لعمل أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر، ثُمَّ لعمل أبي عمار، وجاء من بعدهم أبو القاسم البرادي. فرأى أن الدرجيني لم يتناول القرن الأوَّل بالإسهاب والتفصيل اللازمين فتناوله هو حسب كتابه "الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات، كأَنَّه مقدمة لكتاب الدرجيني أو فصول منه، وجاء من بعدهم العلامة أبو العباس الشماخي، فألف موسوعة تاريخية لعلماء المذهب، وترجم الجميع من ذكره السابقون ولكثير ممَّن أغفلوه عمدا أو سهوا، فجاء الشيخ سعيد التعاريتي، وانتقد الشماخي في ذلك السهو، ثُمَّ ترجم لعدد جم لمن غفل عنه الشماخي من معاصريه ومن جاء بعدهم حَتَّى جاء شيخنا أبو اليقظان إبراهيم -رحمه الله- فأتم عمل الشماخي منذ ذلك العصر إلى اليوم، وقد ترجم فيه الجميع علماء الإباضية من

المغرب الإسلامي مدة خمسة قرون وزيادة فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. يعد أبو عمار في عصره من أعلام الأدب والتاريخ والسيرة، زيادة عن علوم الشريعة بجميع فروعها، وكان يضطلع بالتدريس والفتوى والحكم بين الناس وهو في جميع أطواره مؤمن حريص على إيمانه، محافظ على دينه ذكي يفهم أسرار الشريعة، ويفرق بين الأحوال فيها، وعندما تعرض عليه مشاكل الناس يسبر أغوار نفوسهم أولاً، فيساعده ذلك على حل المشاكل بعدل وحق، وَلَعَلّ الصورة التي نريد أن نضعها له لا تتم إلا بما يأتي:

كان أبو عمار يقول: "إذا وقعت فتنة بين فئتين من المؤمنين، فالأحب إليَّ أن يصطلحوا، فإن لم يفعلوا فالأحب إليَّ أن لا تغلب فئة فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما الأخرى، فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك الفتنة، وكأن سيفه يقطر دما". وروى عنه عيسى بن أحمد أنه قال: "السلامة" عندي أن يكونوا من البراءة سواء، لا يرجح قلبي إلى إحدى الطائفتين، فإنه متى رجح أثم" ..

فرحم الله تلك النفوس المؤمنة التي ليس لها ميزان غير ما يرضي الله تبارك وتعالى.