الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٢٦

الإباضية في موكب التاريخ

162

الإباضية في الجزائر

أبو يعقوب بن خلفون)

كان أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي من الذكاء والعبقرية وسعة الاطلاع في مرتبة قصر عنها جمع من نظرائه ومنافسيه، وقد أوتي مع سعة الاطلاع حسن التصرف في المعرفة، وفضل البيلا في التعبير. فكان حين يتحدث فصيح العبارة، سهل الأسلوب، بين المقاصد، سليم اللغة، وكان حاضر البديهة، قوي العارضة، ساطع الحجة، لا يطاق في النقاش، ولا يوقف له في المناظرة. وكان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس عذب الحديث، فكان طلاب العلم يتزاحمون

مع

محافظته

على مجلسه، ويتدافعون عَلَى الاقتراب منه، والاغتراف من نبعه الفياض الذي لا ينضب. قال عنه أبو العباس الدرجيني: «المتحقق الوصول إلى الغاية في علمي الفروع والأصول، وإن درّس فملقن يحسن التلقين، وإن أفتى فمغترف من عذب معين لا يخشى منه تعسف، ولا يدرك ألفاظه تكلف، كثير الاطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، كثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف وله تعليقات عجيبة وأجوبة مقنعة مصيبة، إلا أنه كان وكثرة حفظه، يعجب من ضعف بخته مع الإخوان وقلة حظه، فإنَّهم لَمْ ينيلوه في العشرة إنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافًا، بل لقد أذاقوه العقوق أصنافا». كان أبو يعقوب لغزارة علمه، وسعة أفقه لا يتطامن لمنافسيه، ولا يتصاغر لهم، وَإِنَّمَا كان يدلي بما عنده من علم، ويتحدى من يتعرض له في النقاش وكان إلى جانب ذلك لا يضفي على كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إلى مكان العصمة الخطأ، وَإِنَّمَا كان من ينتقدها نقد الخبير، فيطري ما استجاد منها، وينتقد ما لَمْ يَحُز، رضاه، شارحًا لمآخذه أحيانًا، مجملا لها أحيانًا أخرى، وكان مع هذه الحرية في الرأي كثير المطالعة لا يكاد يفلت منه كتاب الكتب الموجودة في عصره، مما ألفه علماء الإسلام من مختلف المذاهب، وكان يعنى من

بمسائل الخلاف بين المذاهب عناية خاصة، ويراجعها في مصادرها عند كُلّ مذهب. فكان الزائر عندما يزوره يجد عنده مَجمُوعات من مختلف الكتب لمختلف المذاهب، وهذا التحرر في المنهج الدراسي، والاعتداد بالنفس، وعدم التطامن للأقران هو الذي أثار عليه

(1) من علماء القرن السادس ذكره الباروني في الطبقة الحادية عشرة.