الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٢٧الإباضية في موكب التاريخ
163
الإباضية في الجزائر
بعض منافسيه. كما أثار بعض الفقهاء المتشددين من عصره الذين لا يرتفعون إلى أُفقه، ولا يحلقون في جوه، إن كانوا يتمتعون بمركز علمي ممتاز، وسمعة شهيرة ذائعة، فحاربه الطرفان بغير سلاح العلم، وحكموا عليه بالخُطّة والهجران، ولكن الرجل القوي استمسك بموقفه، فلم يتنازل لهم، وقرر أن لا يرجع عما يراه من الصواب إلى استرضاء الجامدين، والتنازل للمنافسين، وإِنَّمَا استمر يعمل على أفقه الفسيح، ويسبح في جوه الواسع. وسمع الإباضية من مختلف بلادهم بإصدار حكم الخطة عَلَى أبي يعقوب، وكان يصل إليهم هذا الخبر عن ناس موثوق في دينهم وأمانتهم. والبعداء الذين تصلهم الأخبار من جانب واحد لا يعرفون حقيقة الوضع فيلتزمون بما وصل إليهم، فكانوا هم أيضا يعتبرون ذلك العالم الفاضل في حكم الهجران فيقطعون عنه الصلة، ويحولون دونه ودون اللقاء. وكان بعضهم يتساءل عن سبب هذا الحكم على عالم واسع الاطلاع، فيأتيه الجواب بأن الرجل يطعن في كتب السلف، ولا يهتم بما كتبه علماؤنا الأجلاء، ويحتقر كتبهم، ولا شك أنه خارج عن مذهب أهل الْحَقِّ والاستقامة إلى مذاهب أخرى، ويضيف نقله الأخبار إلى هذا ما يناسبها من التهم التي يلفقها المنافسون، ويقبلها الجامدون.
بقي أبو يعقوب زمنًا غير قصير تحت ضغط هذا الحكم القاسي، فلا العلماء المستنيرون كسروا الهجران، وحاولوا أن يتصلوا به ليناقشوه ويفهموا منه وجهة نظره، ولا هو حاول أن يسترضي أولئك الذين حكموا عليه، أو يتصل بغيرهم من فطاحل العلم، فيشرح لهم موقفه، ويبين لهم، مقصده، وإن كان نظام تطبيق الخُطّة يقتضي أن لا يحاول المحكوم عليه أن يعتذر، أو يتخلص إلا بعد إعلانه التوبة مما نسب إليه، وهذا هو الموقف الذي لم يرد أن يتخذه أبو يعقوب، إلى أن أتيح له أن يحج إلى بيت الله الحرام.
ويقص علينا العلامة أبو عبد الله بن سعيد، وهو حينئذ من تلاميذ العلامة يخلف بن يخلف فيقول: «خرجنا حجَّاجًا شيخنا يخلف يخلف حَتَّى إذا كنا بـ "عقاب" قدم علينا في
مع
بن
وقت المساء رجل لا نعرفه فرأيناه يسأل عنا .. فقال له يخلف: "من هذا السائل ومِمَّن؟ " قال: صباح المزاتي". فاستحال (1) ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت؟ " … قال أبو عبد الله:
" أنا
1) استحال الشيء: عده محالا لا يُمكن أن يقع.