الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٢٨

الإباضية في موكب التاريخ

164

الإباضية في الجزائر

وما رأيته قط عمل بسوء معاملة قاصدًا إلا تلك الليلة، ثُمَّ تدارك فسأله: "ما شأنك؟ وما وراءك؟ " قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون، وأعلمه بأمور دلت على صدقه؛ فجعل يستغفر الله ويتوب إليه مِمَّا فرط منه .. قال له: "وابن عمك يوسف؟ " قال: "يبيت عندكم في الليلة المقبلة"، قال أبو عبد الله: فَلَمَّا كانت الليلة المقبلة لحق بنا هو ومن معه .. فَلَمَّا حل بنا أبو يعقوب لَمْ يمكنا إقبال عليه؛ لأنا قد خرجنا من بلادنا، والعلم عندنا أنه في الهجران، ولا علم عندنا بتوبته ولا غيرها، فجهدنا أن نتأسى بشيخنا يخلف، فَلَمَّا تقدم فيه تقدمنا. قال: فَلَمَّا تراءى الشيخان وضع شيخنا يخلف يده في يد أبي يعقوب وتنحيا جانبا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما نسبوه إليه بتشريب لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر الشيخ خطيئة خط بإصبعه في الأرض خطا، فكلما عدد عليه شيئًا ذكر وجهه وسببه واعتذر واستغفر، حتى أتى عليها جميعًا، وظهرت براءته، وكان الشيخ يخلف يقول في تثريبه: "يا ابن خلفون كيت وكيت ثُمَّ يخط … "، ثُمَّ يقول: "يا ابن خلفون كيت وكيت" وأطال العتاب، وأبو

يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئًا ذكر وجهه وسببه، حتى توجه عند الشيخ عذره. فسمعنا شيخنا يقول: "الحمد الله رَبِّ العالمين"، وقاما معًا فاعتنقا وقمنا نحن أيضا فسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخوانا أهل عمان ومعهم فقيههم الذي حج بهم يُسَمَّى ناجية بن ناجية .. قال أبو عبد الله: فحججنا حجة لَمْ يَحجَّها مغربي قبلنا ولا بعدنا". صبر أبو يعقوب كما رأيت لحكم البراءة الذي أصدره عليه الفقهاء والجامدون من أهل بلده، ثُمَّ أبلغوه إلى إخوانهم في كُلّ مكان فحكموا به عليه، ولم يسارع إلى إعلان التوبة بين يدي أولئك الفقهاء؛ لأن التوبة تعني الرجوع عن حقه إلى باطلهم، والتنصل من آرائه العلمية المجردة التي قصروا عن فهمها. ولم يتح له أن يتصل بغيرهم ممن هم أوسع أفقا وأسلم إدراكا وأصح فهما.؛ فَلَمَّا أتيح له أن يَحجَّ وسَمع بعزم العلامة يخلف بن يخلف عَلَى الْحَج فرح بذلك، وبعث إليه ابن عمه يخبره أنه سيرافقهم، وهو يعلم سيرافقهم، وهو يعلم أنه في نظر يخلف في الهجران، ويعلم كذلك أن يخلف من تمسكا بالبراءة ممن يستحقها، وأحرصهم على أن يسير الجميع سيرة يرضى عنها الدين والخلق والعلم، ويعلم كذلك أن يخلف قد أوتي من العلم

أشد الناس