الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٣٠الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وقد تناول أبو العباس الدرجيني هذه القضيَّة ووقف في جانب أبي يعقوب موقف المحامي اللبق والمدرس الخبير .. وقد حاول أبو العباس في مناقشته لهذا الموقف بين العزابة وأبي يعقوب أن يبرر موقف كُلّ منهما، وأن ينظر إلى مسلكه من زاوية معينة؛ فعذر العزابة في موقفهم،
وعذر أبا يعقوب في سلوكه.
وأحسب أن أبا العباس وُفِّق كُل التوفيق في مناقشته تلك. كان كبار العلماء أشد استمساكا بتطبيق أحكام البراءة عَلَى من يستحقها، ويندر أن تقع حالة مشابهة لحالة أبي يعقوب فيحكم بالهجران بأسباب غير وجيهة .. وعندما يقع مثل هذا الخطأ فإن أهل العلم والدين يؤيدون حكم العزابة حَتَّى يتبين لهم الخطأ في حكمهم، ويتأكد ذلك لديهم، وأن المحكوم عليه لا يستحق ذلك الحكم، وهم بطبيعة الحال معذورون في هذا الموقف، وقد يتشددون أكثر إذا كان المحكوم عليه من رجال العلم؛ لأن رجال العلم المفروض فيهم أن يكونوا قدوة وأن يكونوا أبعد الناس عما يغضب عليهم جماعة المسلمين. وعندما أعلن حكم البراءة عَلَى أبي يعقوب كان من أشد الناس عليه العلامة أبو رحمة حنيني اليشكني، ذلك أن العلامة أبا رحمة كان مرجعا في "وَارجُلاَن"، وكان لا يتساهل أبدا في أي انحراف مهما كان بسيطا .. ولَمَّا أعلن عزابة "تين باماطوس" حكمهم على أبي يعقوب انتظر منه أبو رحمه موقفًا غير موقفه؛ فهو إما أن يسارع إلى التسوية والتنصل مما نسب إليه، وهذه هي الطريق التي سلكها أغلب علماء الإباضيَّة الذين لحقهم حكم الهجران، وإما أن يتصل بالعزابة خارج بلده ويبرر لهم موقفه ويقنعهم أنه ليس على خطأ، وقد لا ينجح في هذا أبدا؛ فَلَمَّا لَمْ يفعل شيئًا من ذلك حسب أبو رحمة منه ذلك تعنتا وغرورا وارتفاعا على العزابة، فاشتد عليه واشتد في محاسبة من يتصل به. كان طلبة العلم الذين يدرسون في مدارس مختلفة عندما ينتهون من دراساتهم يعودون إلى أعلام المذهب فيعرضون عليهم ما أخذوه من مختلف المدارس ليصححوا لهم ما أخذوه، ويجيزوهم فيعترفون بعلمهم ويعرف به الناس من ورائهم .. وهم حين يعرضون عليهم ما تعلموه قد ينصحونهم بوجوب الاستمرار في الدراسة مع تعاطي التدريس، وقد يُجيزون لهم والفتوى مطلقا .. وكان أبو رحمة اليشكني هو المرجع في ذلك العصر كله، فكان الطلاب يدرسون في مختلف المدارس والبلاد ثُمَّ يرتحلون إلى "وار جلان" ليعرضوا عليه ما درسوه.
العلماء من
التدريس