الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٣٣الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
الدين ويمسكهم بعقائدهم على يقين، وكان المخالفون من أهل الموضع قد سكنت
أهله،
نفوسهم واطمأنت قلوبهم بانقراض مذهبنا في بلدهم، وضعف من بق من فَلَمَّا سمعوا بقدوم أبي عمرو، وَبِمَا شرع فيه، عضوا عليه الأنامل من الغيظ، واجتمعوا فيما بينهم وأرادوا ما يفضحون به أبا عمرو إذا هم ناظروه، فتشاروا في ذلك، فجعل كُلّ واحد منهم يدلي برأي فقال قريعهم: "اعلموا أن الرجل عالم، ذو قدرة على المناظرة، ولا طاقة لكم به إن حاولتم أخذه في الطريق المهيع؛ لكن إن سلكتم معه بنيات الطرق وجادلتموه بالباطل، ومقتموه في أنظار العوام وتظلمتم فإنكم تظفرون به .. قالوا: وكيف يُمكن الظفر به من طريق الباطل؟ قال: يسأله أحدكم: هل يجوز في مذهبكم تزويج نساءنا؟ فإنَّه حينئذ يقول الْحَقَّ ويُجيب بأن يستعظم هذا ويقول: يا سبحان الله، قد جاز عندنا تزويج اليهوديات والنصرانيات
فكيف بنسائكم. فإذا قال هذا الزمناه الذنب بأن نقول له: نراك أنزلتنا منزلة اليهود والنصارى فنكابره و تفحمه، وإن هو أجاب بنعم؛ فقط استأنفنا سؤالا آخر. فَلَمَّا كان الغد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، وأحضروه هو وتلامذته فسأله سائلهم ما أعد من مسألة النكاح فأجاب بما كان خصمه ينتظره منه؛ فَلَمَّا قال ذلك قال مدره (1) القوم: إن هذا أنزلكم منزلة اليهود والنصارى.
فقاموا عليه قيام رجل واحد شتما وصفعًا وضربًا وطرداً حتّى نفوهم من البلد، وأكرهوا من بقي من أهل المذهب عَلَى الرجوع إلى مذهبهم، وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد الإباضية فغسلوه بمياه كثيرة حتى جرت أنهارا وسارت في الطرقات، وخرجت من البلد هامية .. يعتقدون أن ذلك تطهير للمسجد والبلد»!!. هذه حادثة من الحوداث الكثيرة التي كانت تقع بسبب الجمود والجهل والتعصب المذهبي، والتي تسبب فيها غالبًا ويقودها رجال قاصرون ينتسبون إلى العلم، ولكنهم
(1) رجل أمدر: الجنبين أي عظيمهما. انظر: العين، (مدر).