الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٥٢

الإباضية في موكب التاريخ

188

الإباضية في الجزائر

أمَّا البراءة فلا تقع إلا عَلَى من سقطت ولايته بارتكاب كبيرة.

ان

ولا شك أن هذا النظام ما بين سنة 286 هـ تاريخ الهزيمة التي استوحى منها الكبيران البغطوري والونزير في أصول هذا النظام متمثلة في الإعراض عن الجوانب السياسية الظاهرة، والاهتمام بالجوانب الداخلية التعليمية والسلوكية وبين سنة 1356 هـ وهو تاريخ كتابة هذا الفصل- قد تطور تطورات كثيرة. فقد كان في مبدأ الأمر فكرة ثُمَّ سيرة، ثُمَّ عرفا، ولا شك أن الإمام الجليل أبا مسور يسجا" قد عرف هذا الاتجاه من علماء الجبل عندما كان يدرس في مدينة "شروس" عَلَى أستاذه العظيم أبي معروف، فَلَمَّا رجع إلى جربة

وقد كان الإباضيَّة بها أقلية ضئيلة وأكثر السكان إمَّا خلفية وَإِمَّا نكارا (1) جد في التعلـ والدعوة حتّى اقتنع أكثر الناس بما يدعو إليه وانصرفوا عن التفكير في موضوع السياسة إلى التفكير الجدي في تنظيم يكفل لهم سعادة الآخرة، وكان والده أبو زكرياء فصيل- وقد أصبح

قدوة وإمامًا لجميع الإباضيَّة في الجنوب التونسي قد شغل فكره بصياغة مواد ذلك التنظ في وثيقة مكتوبة يمكن أن توزع على جميع مناطق الإباضيَّة في المغرب، ولكنه مع ذلك لَمْ يخرج هذا العمل من حيز الفكرة إلى حيز حيز التطبيق، فَلَمَّا جاء أبو عبد الله مُحَمَّد بكر بن الفرسطائي لاستكمال دراسته وكان قد عرف هذا الاتجاه عند علماء الجبل وهو يتلقى العلم عن مشايخ بلده فرسطاء ومنهم والده الذي قال عنه أبو العباس الشماخي في السير (صفحة 384) ما يلي: ومنهم الشيخ الإمام المتقن بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي أخذ العلم

(1) قال أبو العباس الدرجيني في كتابه (الطبقات): وقد كانت الجزيرة حينئذ (أي: حين كان أبو مسور يدرس في الجبل) ليس فيها أحد إلا على مذهب خلف بن السمح، غير نفر قليل قد تقدم ذكرهم، فدعاهم أبو مسور إلى مذهب الوهبية، فأجابه منهم من أراد الله به خيراً. وكان بها حينئذ رجل من زواغة نكاري يقال له: خلف بن أحمد، وكان ذا مال كثير، وكان متكرما، فكان يصنع الطعام ويدعو إليه الناس ويدعوهم إلى مذهبه فكل من أجاب أبا مسور كان وهبا ومن أجاب خلفا كان نكاريا، حتى لم يبق في الجزيرة أحد على مذهب ابن السمح بل صارت كلها تبعا لأبي مسور، أو الخلف بن أحمد. فأقام في الجزيرة تجتمع إليه الجماعات لطلب العلم وأخذ السير وانتهاج الطريق". انتهى كلام الدرجيني. قلت: وطلب العلم وأخذ السير وانتهاج الطريق هي الخطوط العريضة لأصول نظام العزابة.