الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٥٧

الإباضية في موكب التاريخ

193

الإباضية في الجزائر

ومع ذلك فإن الأحكام التي يصدرها أي مجلس عزابة في قرية من تلك القرى على شخص من الأشخاص بالبراءة أو الهجران كان يجد صداه في جميع الأماكن الأخرى، وتتجاوب جميع المجالس في ذلك لا يخل واحد منها بالحكم، ولا يستطيع المحكوم عليه أن يلتجيء إلى بلد آخر ليزيح عنه حكم الهجران إلا بعد أن يعلن التوبة ويتنصل من التبعة إن كانت عليه تبعة، وقبل منه العزابة في ذلك المكان

أو غيره، ويتلخص من هذا أن مسلك الإباضية بالنسبة إلى مجلس العزابة كان على نمطين: الأول: تكتل عدد من المجالس لعدد من القرى تحت مجلس أعلى.

والثاني: انفراد كُل قرية بمجلس مستقل.

وقد أدى نظام العزابة في البلاد التي اتبع فيها النمط أو الاتجاه الأول (الارتباط بين المجالس) إلى حفظ مجتمع له خصائص الدولة الصغيرة ماعدا الاسم. وساعد على تكوين مجتمع متماسك ذي خصائص واضحة حافظ عليها وحافظت عليه رغم جميع المؤثرات الخارجية، كما أنه منح القوى المشتركة في المجلس العام والتابعة لنفوذ شيخ واحد توحيدا في القيادة، وقوة جماعية لمكافحة عوامل التفكك والتحلل والذوبان، وجعلت ذلك المجتمع أقوى على

الصمود والدفاع، كما أنها قللت من مطامع الغير فيه، ومحاولة استغلاله بالعنف والقوة. أما القرى والمدن التي اتخذت الاتجاه الثاني انفراد) كُلّ قرية بمجلسها) فإن العوامل الخارجية سرعان ما أثرت عليها، وَلَمْ تصمد لها طويلا رغم المواقف العنيفة والحركة النشيطة الدائبة في حفظ مجتمع ذي خواص متميزة داخل قرية أو مدينة واحدة منفردة.

وبناء على ذلك فقد استطاعت العوامل التي كانت تستغل الخلاف المذهبي أن تغير المذهب في تلك القرى والمدن - ما عدا وارجلان وزوارة، وأن تتغلب عليها تارة باسم الدولة، وتارة باسم الدين؛ لأنها تناولتها عن طريق الانفراد لا عن طريق الجماعة، ولعل أغلب الأحداث التي أدت إلى تغير المذهب الإباضي بغيره من أغلب البلدان إِنَّمَا كان مبنيا عَلَى أمرين: تعصب مذهبي أو مكر سياسي. وَلَعَلِّ العصر الحاضر رغم التسامح وكفالة الحريات-يحمل صورًا من ذلك استجابة لرغبة متفقه متعصب أو متزعم متسلق، أو حاسد يرى خيرًا عند غيره ولا تطوله يداه.