الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٥٨الإباضية في موكب التاريخ
194
الإباضية في الجزائر
تجمعات إياضية في الجزائر
كان أغلب السكان في الجزائر عَلَى المذهب الإباضي (1) لا سيما في الوسط والجنوب طيلة القرنين الثاني والثالث، وكان أكبر تجمع لهم وأقواه في تاهرت وما حولها.
وعلى هذه الكثرة تأسست الدولة الرستُميَّة، وبقي هذا التجمع على كثرته إلى أواخر القرن الثالث حين تغلبت الدولة العبيدية عَلَى الرستُميَّة، وَلَمْ يكن حينئذ نظام العزابة معروفًا، فَلَمَّا انفرط عقد الدولة الرستمية وزال سلطانها وتفرق رجالها وأتباعها بقيت بعض البلدان الآهلة بالإباضية على حالها، وهذا غالب في المدن والقرى المتطرفة البعيدة عن مراكز العبيديين والصنهاجيين من بعدهم، أما المدن التي كانت قريبة من مراكزهم وتحركاتهم فقد خرب الكثير منها، وانتقم من أهلها. أما الأقليات والأفراد الذين يسكنون في مدن أخرى فقد حاولت السلطة أن تجبرهم على أحد أمرين: فمنهم من اعتنق المذهب الشيعي على كره، ومنهم من قتل أو هاجر إلى حيث يأمن بطش العبيديين.
والواقع أن المناطق الشمالية والغربية قد قل منها الإباضية بعد الدولة الرستمية وأصبحوا فيها أفراداً لا جماعات وكانوا يتناقصون يوما عن يوم ولم يبق في المدن الكبيرة التي كانت عامرة بهم إلا عائلات معدودة أو أفراد قلائل وبقدر ما كان الإباضية يقلون في المناطق الشمالية والغربية كانوا يكثرون في المناطق الجنوبية والشرقية للجزائر.
وعندما ينعقد مجلس للعلماء في إحدى الواحات الجنوبية الشرقية للجزائر أو الغربية لتونس يكون المجتمعون من أماكن شتّى وبلدان متفرقة متباعدة يقص كُلّ واحد منهم المآسي التي عاشها في موطنه الأصلي، وما بلغه ظلم الحكام وانحرافهم عن سبيل الإسلام. وفي المواطن الأصلية لهم قد تنقسم الأسرة الواحدة على نفسها يهاجر بعضها إلى مكان ويهاجر البعض الآخر إلى مكان
1) "أصبحت هذه الدولة البربرية الإسلامية باسطة سلطانها العادل على كل ربوع الجزائر ما عدا الزاب الأغلبية، وناحية تلمسان الإدريسية وكان المذهب العام يومئذ للبربر في كل بلاد الدولة هو المذهب الإباضي". كتاب
الجزائر توفيق المدني، ص 21.