الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٦الإباضية في موكب التاريخ
94
نشأة المذهب الإباض
ويقف علماء الإباضية من هذه المشكلة موقفا مستوحى من عزة الإسلام وكرامة
المسلم. فَإنَّه ليس من أخلاق المسلم أن يظهر بمظهر الذليل المستجدي، الواقف على الأعتاب ينتظر ما تجود به الأكف، وتسخو به الأنفس الشحاح. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن الاستجداء والمسألة، واعتمد الإباضية تلك الأحاديث الشريفة فمنعوا المسلم من إراقة ماء الوجه والتعرض لمذلة السؤال فإذا هانت عليه كرامته وذهب يسأل الناس الزكاة حرم منها عقابا له على هذا الهوان، وتعويدا له على الاستغناء عن الناس، والاعتماد على الكفاح. على أن الزكاة حَقٌّ لا بُدَّ أن يصل إلى أصحابه دون أن يهينوا أنفسهم بالتعرض للأغنياء، ودون أن يتكلوا عليه فيدخلونه في حسابهم، ودون أن يشعر الغني بهذا المظهر المتعالي الذي يحوج الناس إليه، فيأتونه متعرضين لنواله. وقد يصل الفقر بأحد من الناس إلى شدة لا تقوى إرادته على التغلب عليها، فيضطر إلى تخفيف هذه الشدة بالاستجداء.
وفي هذا الموقف تبرز قضية أخرى هي واجب الأمة المسلمة؛ فإن حفظ كرامة المسلمين واجب على الكفاية، وما يحل للأمة أن تترك من بنيها من يهوي به الفر إلى المذلة والهوان.
إن من واجب الأمة المسلمة أن تيسر أسباب الحياة الكريمة لكل فرد من أفرادها ولا تتخلى عنه حتى تصل به الحال إلى الحاجة المدقعة التي تدفعه إلى السؤال؛ بل عليها أن تعالج مشكلة الفقر بطريق من الطرق الكريمة، كأن تيسر العمل لمن يستطيع العمل، أو تتخذ النظم التي ترعى العجزة وتصد عنه غائلة الجوع، وتوصل إليهم ما يرفع عنهم ثقل الحياة بيد عطوفة كريمة.
وقد نتج عن هذا الحكم عند الإباضية الحكم بحرمان طالب الزكاة منها - أنك لا تجد في المجتمع الإباضي شحاذا يجوب الشوارع يتعرض لأبواب المنازل أو المتاجر ليتلقى الصدقات، ولا تجد غنيًّا ببابه جمهور من الفقراء وهو يوزع عليهم