الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٦٣

الإباضية في موكب التاريخ

199

الإباضية في الجزائر

الأمر، وتكونت هنالك الدولة الرستُميَّة، ولكن سرعان ما وجهت إليها الضربات، واستطاعت رغم كُلّ شيء أن تقيم حكم الله مدة قرن ونصف. ثُمَّ جاءت الدولة العبيدية فقضت عليها كما هو مفصل في كتب التاريخ، وسار حكام الدولة العبيدية على نمط قد يكون أسوأ من غيره، واستباحوا لأنفسهم أموال الناس ودمائهم.

بعد القضاء على الدولة الرستمية وقف الإباضيَّة يفكرون في المسلك الذي يسلكونه تجاه الجورة والمستبدين من الأمراء والحكام أيقابلون أولئك الحكام بالدعوة إلى الثورة عليهم وقلب نظام الحكام وإبعاد المنحرفين عن مقدرات الأمة مهما كانت النتائج؟ أم أنهم يسلكون مسلك المسالمة والمهادنة؟

وكان أوَّل من فكر في الموضوع بجدية وانتهى فيه إلى رأيهما العالمان أبو القاسم البغطوري وأبو مُحَمَّد الونزير في وكانا حينئذ مرجع أهل الجبل وكان ذلك بعد معركة "مانو" التي قتل فيها الأغالبة أعدادا لا تحصى من رجال نفوسة، وتتبعوا علماءهم وصلحاءهم حتى كادوا يقضون عليهم. ولذلك فقد رأى الشيخان أنه ينبغي لجبل نفوسة أن يحتفظ بانعزاله سياسيا، فلا يحتك بإحدى الدول القائمة ولا يدعو إلى ثورة ولا يشترك فيها، ولا يقيم لنفسه حكما بجهاز دولة، وَإِنَّمَا عليه أن يختار هيئة من الرجال الأكفاء تمثل الجبل بجميع نواحيه تتولى تحت رئاسة أحد العلماء شؤون الجبل الدينية والاجتماعية، وتنظم وسائل الدفاع إذا اضطروا إليه،

ويتولى ذلك كله الرئيس الذي يطلق عليه اسم شيخ الجبل أو حاكم الجبل، وينفذ القرارات التي يتخذها المجلس، وهكذا استقر رأي الجانب الشرقي من إباضية المغرب الإسلامي على عدم إقامة دولة، وعلى عدم مناوشة الدول الأخرى ومطالبتها بالتزام سلوك معين .. وَإِنَّمَا أوجبوا عَلَى أنفسهم أن يقيموا حدود الله فيما بينهم، وأن يلتزموا السير في المنهج الإسلامي الذي سار عليه الصالحون من أمة مُحَمَّد. أما الجانب الغربي الذي ذاق حلاوة الحكم الإسلامي تحت رعاية الدولة الرستمية فقد كان أفراد منه يتوقون إلى إعادة ذلك الحكم، ولكن المفكرين منهم قد انتهوا إلى مثل ما انتهى إليه إخوانهم في الجانب الشرقي.