الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٦٤

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

وكانت الدولة العبيدية عندما تغلبت على الدولة الرستُميَّة في تاهرت لا تخشى أحدا كما تخشى أبا يوسف يعقوب بن أفلح، ولا تخشى بلدا من بلدان الإباضية في تلك المناطق كما تخشى وارجلان"، فَلَمَّا فرَّ أبو يوسف متجها إلى الجنوب تبعته فرق من الجيش العبيدي ولاحقته بقواتها ولكن تلك الفرق لَمْ تتمكن من حتَّى قرب من "وار جلان"، وعندئذ أمرت بالتراجع خوفًا من الاصطدام بأهل وارجلان وإثارتهم، فرجعت دون أن تبلغ ما تريده من قتل أبي يوسف أو أسره أو الحيلولة دون الوصول إلى "وار جلان". كان مع أبي يوسف جموع من الناس الذين هاجروا من الشمال إلى الجنوب بعد تلك الأحداث المؤلمة فعرضوا عَلَى الإمام يعقوب أن يبايعوه إماما عليهم يقيم فيهم نكم الله ويحارب بهم عدوه، فقال لهم: افترقوا" فقد انقطعت أيامكم، وزال ملككم فلا يعود إليكـ إلى يوم القيامة، ولا اجتمع منكم ثلاثة إلا عليهم الطلب». وبلغ الرجل العظيم المدينة العظيمة "وار جلان"، وكانت وارجلان" وما يجاورها في ذلك الحين مازرًا وملجا للإباضية ولهم فيها قوة وصولة فعرض عليه أهلها أن يبايعوه بالإمامة، وأن يحاربوا تحت لوائه حَتَّى يقيموا دين الله، ولكن أبا يوسف قال لهم قولته المشهورة التي ذهبت مثلا: "الجمل لا يستتر بالغنم. وهكذا اتحدت الفكرة عند كبار رجال الإباضية في المغرب الإسلامي عَلَى اعتزال السياسة، وتجنب الاحتكاك بالدول القائمة، وعدم القيام بتأسيس دولة جديدة. ترك الإباضية في المغرب الإسلامي الحكم لطلاب الحكم يتهارشون عليه، أمَّا هم. رجعوا إلى داخل نفوسهم يطهرونها، وإلى أعمالهم يزكونها، وإلى مجتمعهم يحاولون أن يقيموه على أسس متينة من شريعة الله. ولقد تهيأت ظروف الثورة لهم على بعض الدول، وتيسرت لهم الأسباب لإقامة دولة جديدة في بعض الأحيان؛ ولَكنَّهم لم يشاءوا أن يشغلوا أنفسهم بذلك ولا أن يتطلعوا إليه، وَلَعَلّ من أبرز الشواهد على ذلك ما كان عليه الإباضية في عصر أبي القاسم يزيد بن وذلك في عهد المعز لدين الله الفاطمي.

مخلد