الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٦٥

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

فلقد وانت الظروف أبا القاسم واجتمعت الإباضية وغير الإباضية على حبه وإطاعة أمره وكان لهم من القوة المادية ما يكفل لهم الفوز، وعرض كثير من الناس الأمر على أبي القاسم وطالبوه بقبول البيعة ولكنه رفض؛ لأن رأيه كان مثل رأى البغطوري وابن الخير ويعقوب بن أفلح، فكان يرى أن التعلق بالحكم لا يهم، وأن المؤمن يستطيع أن يحافظ على دينه دون أن يكون صاحب سلطان. وأن ما تعطل من شريعة الله فَإِنَّمَا يحاسب عليه أولئك الذين أمسكوا بالسلطة في أيديهم، فلا هم أقاموا فيها أمر الله ولا هم تركوها لمن يقيمه فيها، وأنه ينبغي للإباضيَّة أن لا يزيدوا للأمة فتنا عَلَى ما بها من فتن تتخذ وسيلة لاستحلال الدماء والأموال، وَإِنَّمَا عليهم أن يقيموا الإسلام في أنفسهم، فمن كان منهم مستقلا مثل جبل نفوسة، فعليه أحكام الإسلام ويراعي حدوده دون أن يعلن اسم دولة، ومن كان خاضعا منهم لدولة قائمة مثل إباضيَّة تونس والجزائر، فعليهم أن يخضعوا للدولة، وعليهم أن يدفعوا لها ما تطلبه منهم من الضرائب والغرامات، وأن يجاهدوا معها أعداء الله إذا وجهت جيوشها لمحاربة الكفار والمشركين وعليهم أن يقوموا هم أنفسهم برعاية مصالحهم الدينية والاجتماعية وأن يفصلوا مشاكلهم حسب الأصول الشرعية، وأن يكفوا أيديهم وألسنتهم عن مساعدة الدول القائمة في جميع ما ترتكبه من ألوان الظلم الذي تنزله على الناس، وأن لا يشتركوا معها في أي حرب ضد المسلمين وفي بلاد الإسلام.

أن

يقيم

وسار الإباضيَّة عَلَى هذا المنهج في أول أمرهم دون أن يجعلوا لذلك كتبا أو قوانين يرجعون إلى موادها وإنَّما يطبقون أحكام الإسلام فيما أمكنهم من حقوق الله وحقوق العباد، حتّى ضاق المعز لدين الله الفاطمي ذرعًا بأبي القاسم بن مخلد، وخشي من محبة الناس له، وإقبالهم عليه، وطاعتهم لأوامره. فأمر عامله في (الحامة) أن يغتاله فاستزار العامل أبا القاسم واغتاله في منزله نفسه. وكان هذا الاغتيال دون جريرة سببا في ثورة عارمة قام بها بعض أصدقاء (1) أبي القاسم وبعض تلاميذه وأتباعه جعلت المعز يترنح فوق عرشه، ويتنازل عن كبريائه، ويعرض

(1) عارض القيام بالثورة عدد من العلماء الإباضية من أشهرهم: أبو صالح اليهراسني وأبو محمد ويسلان.