الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٦٦الإباضية في موكب التاريخ
202
الإباضية في الجزائر
الصلح عَلَى أولئك الثائرين ويتنازل لهم (1) عمَّا كان تحت أيدي الإباضية في عهد الدولة الرستُميَّة من البلاد فلم يقبلوا بذلك؛ لأَنهم لَمْ يثوروا طلبًا للملك، وَإِنَّمَا ثاروا محاربة للظلـ
والجبروت.
بن بكر.
الخاصة، وفي
وَلَمَّا سكنت تلك الثورة ورجع الناس إلى حياتهم العادية كان أفراد من رؤساء القبائل وزعماء العشائر يعدون للقيام بثورات أخرى. ويهمسون بذلك في مجالسهم الاجتماعات المأمونة، حَتَّى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله مُحَمَّد استبعد الإمام أبو عبد الله فكرة الثورات والحروب والقيام بدولة محاربة الحكام من أذهان الناس استبعادا كاملا واتجه بالمجتمع الإباضي اتجاهاً خاصاً هو الاهتمام بالنفس وبالمجتمع، دون الاهتمام بالدولة وحوَّل سيرة الإباضية بعد وقعة "مانو" من عرف جرى عليه الناس، وعادات استحسنوها، وتمسكوا بها إلى حيز الدراسة والبحث العلمي، ثُمَّ التقنين وألف في الموضوع وجعل ذلك دستوراً في مواد وقوانين. فنظم حلقة العزابة كما ذكرنا من قبل، وحدد فيها اختصاصات الهيئات واختصاصات الأفراد، واعتنى عناية خاصة بقضيَّة التربية والتعليم وجعل لذلك منهاجا، أعتقد أنه منهاج فذ في نظم التربية والتعليم. وَمِمَّا يتضمنه ذلك المنهاج توحيد زي الطلبة، وتوحيد زيّ المدرسين، وتنظيم أوقات الدراسة، وتخصيص كُلّ وقت لما يناسبه من المعارف، وإدخال الآداب الإسلامية والقيام بالعبادات الدينية في قلب النظام بحيث تكون مواد أساسية في المنهاج الدراسي، وتخصيص أوقات للتربية العملية في حل المشاكل وحسن التصرف وإدارة الأمور، والسلوك الحسن بين المجتمعات المختلفة وفي البيئات المختلفة، كما أنه أعطى قيمة خاصة للفروق الفردية بين الطلاب وأوجب احترام شخصية الطالب المتخلف ذهنيا ومراعاته ودراسة ظروفه حتَّى لا تتكون فيه الأمراض التي تُسَمَّى اليوم: "العقد النفسية"، وبالجملة فإن هو الذي حول بطريقة عملية مجرى تاريخ الإباضيَّة فأبعدهم عن التهارش
الإمام أبو عبد
الله
(1) قال الدرجيني في الطبقات فأرسل -أي: المعز - إلى المشايخ أن ارجعوا إلى بلادكم التي بها أوائلكم قبل هذا من تاهرت وغيرها، فتكونوا على ما كانت عليه أوائلكم ونكون على ما كان عليه أوائلنا.